دراما الناصر والفاتح.. الهدف والزمن والفن

مسلسل محمد الفاتح (منصات التواصل)

محاولات عديدة شهدتها الدراما التركية لتقديم عمل درامي عن سيرة السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية، وقدمت تركيا في الفترة الأخيرة ثلاثة أعمال تليفزيونية توجتها بالأخير السلطان الفاتح الذي أذيع الجزء الأول منه في الموسم الدرامي الفائت.

قبله كانت هناك محاولتان في الأعمال الدرامية التركية أولهما كان مسلسل بعنوان الفاتح محمد، وعرض منذ سنوات ولم يستطع أن يحقق نجاحًا جماهيريًا فلم يستمر إلا ست حلقات تليفزيونية، ربما تعود تلك الأسباب إلى فريق العمل خاصة التمثيل فلم يكن في العمل نجوم من المشاهير بين جمهور الدراما التركية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

أسماء فريق العمل تؤثر في جماهيريته الحاكمة في التسويق وسوق الإعلانات، اضطر المخرج رغم لمعان الفكرة والحدث أن ينهي العمل، بطريقة الحكي لمدة دقيقتين فأصبح فتح القسطنطينية مشهدًا على نموذج للمدنية.

الفتح العظيم كان العمل الدرامي الثاني وقدّم في الموسم الدرامي الأول لعام 2023 ولم يحقق النجاح الجماهيري الذي يجعله يستمر فقد انتهى العمل فجأة بعد الحلقة الثامنة، ولم يستطع المخرج والمؤلف أن يجدا طريقًا لعمل نهاية للعمل.

المحاولة الثالثة كانت متوجة بالنجاح الجماهيري، حيث استطاع فريق الإنتاج أن يؤلف فريقًا جيدًا من الممثلين سحب الجمهور لمتابعة العمل.

فيلم سينمائي للفاتح

قبل إنتاج العمل الدرامي الأخير السلطان الفاتح قدمت السينما التركية فيلمًا عن محمد الثاني فاتح القسطنطينية، وقد جاء الفيلم رائعًا بمواصفات صناعة السينما، ورغم أن الفيلم استمر ثلاث ساعات ونصف ساعة بمواصفات السينما فيلم طويل.

إلا أن الإيقاع والحركة وجودة المونتاج وقصة الفتح ساعدت في تقديم عمل سينمائي راقٍ، والفيلم تناول بشكل سريع ما قبل الإعداد لفتح القسطنطينية منذ لحظة وفاة السلطان مراد، وحتى الفتح الذي تحقق بعد محاولات دامية خاضها جيش الفاتح من أجل فتح التفاحة الحمراء.

إذن فالسلطان الفاتح قصة مغرية لصناع الدراما التاريخية لما فيها من عناصر نجاح حيث الصراع على السلطنة، صراع داخل ديوان الحكم. فريقان من الوزراء كل منهما له رؤية في التعامل مع الفتح، فريق يرى صعوبته وأن الدخول في معركة القسطنطينية نهاية للدولة العثمانية، ويصل به الأمر إلى التعاون مع العدو.

فريق آخر يرى أنه بالعلم والعقيدة والاستعداد يمكن تحقيق حلم الفتح متسلحًا بالمعدات والعقيدة وحلم قوة الدولة العثمانية، كل العناصر المشوقة للقصة الدرامية موجودة، ومع وجود فريق عمل استطاع كتابة تلك العناصر بقوة وإبداع تليفزيوني تحقق النجاح في العمل التليفزيوني الثالث لتلك القصة.

صلاح الدين من غزة تبدأ الدولة

لحظة انطلاق مسلسل فاتح القدس صلاح الدين الذي بدأ مع بداية الموسم الدرامي التركي هي ميلاد يوسف بن أيوب التكريتي الملقب بصلاح الدين، وحلم فتح القدس، وانطلاقة العمل الدرامي مع احتلال عسقلان من قبل الحملات الصليبية

عسقلان تحت قيادة أمير عباسي، ونور الدين محمود سلطان على الشام، والقدس تحت الاحتلال الصليبي مملكة صليبية، تحتل بعد عسقلان غزة، ويبدأ نور الدين محمود مع قادة جيوشه في الإعداد لتحرير عسقلان، ثم غزة، بعد أن استقر الأيوبيون بالقرب منها، حيث كانت البداية من تلك القبيلة.

توافق عرض المسلسل مع عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي مما جعل أحداث الواقع والدراما تتشابه، فكانت بعض المشاهد والإيماءات في العمل تتوافق مع عمليات المقاومة ومذابح الجيش الصهيوني في غزة، وتوافقت الرسائل لتقف بجانب أبطال المقاومة.

نحن هنا أمام قوة طاغية استطاع الصليبيون تجييشها سواء في القدس، دعم من عديد من القوى الصليبية في القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، وروما حيث البابا والدولة الرومانية، فرسان المعبد، والقوى اليهودية السياسية التي تؤمن بمملكة الجنة، أرض الميعاد القدس، وفلسطين.

في المقابل قبيلة غزة والسلطان نور الدين، وخلافات بين أركان الدولة الإسلامية دولة السلاجقة، الدولة العباسية، الفاطميون في مصر، تعاون مع الصليبيين في القدس، وغزة من أطراف الأمة المتعددة الخلافات ووصولًا لخيانات كبرى من بعضهم.

العمل يقدم في جزئه الأول محاولات صلاح الدين لتحرير عسقلان ثم غزة ليكونا جناحي تحرير القدس، معارك متعددة ينتصر في بعضها، ويخسر أخرى، والأمل يزداد في التحرير، صلاح الدين ونور الدين لا يستسلمان.

قد تكون القصة الدرامية فيها ملامح تاريخية بسيطة لكنه العمل الدرامي، الرمز هنا في القصة كيف تبدأ قبيلة صغيرة وقوة صغيرة تتعرض لحملة جيوش ضخمة وتحالفات كثيرة أن تنشأ دولة كبرى تكون قوة قادرة على تحقيق حلم أمتها في تحرير بيت المقدس وإنهاء الاحتلال الصليبي للقدس وفلسطين.

بين الناصر والفاتح

تقديم ثلاثة أعمال تاريخية في موسم درامي فتح الشهية للمقارنات بين الأعمال وكانت المقارنة الأكبر بين العملين الأخيرين، وقبل الدخول في تلك المقارنة فنيًا نستطيع أن نرصد فروق الهدف التاريخي أو الدرامي في العملين.

الأول تاريخيًا يحكي عن لحظة صراع كبرى بين دول عديدة في الأمة الإسلامية مما يجعلها مغنمًا أو هدفًا للقوى المعادية الطامعة في الاستيلاء عليها تقتطع منها أجزاء وتحتل أماكنها المقدسة، وتبدأ الأمة في استنهاض طاقتها لتحرير أراضيها المحتلة.

السلطان الفاتح عملًا يتوج رحلة بني عثمان لبناء دولة كبيرة تتسع لتفتح العالم وتصبح قوى كبرى، يمكن القول إن بدايات فاتح القدس تنتهي ببدايات الفاتح محمد من حيث الهدف، الهدفان يلتقيان في تحقيقهما بالعقيدة والإيمان.

فلولا إيمان صلاح الدين ومحمد الفاتح وجنودهما بالرسالة التي يؤمنون بها ما تحقق هدفهما في تكوين الدولة وفتحهما سواء القدس للأول، والقسطنطينية وكثير من القلاع الصليبية في الأراضي التركية وأوروبا للثاني، لا يهم هنا من أين تبدأ وما هي قوتك فالإيمان والعقيدة أولى أسلحة النصر، ولعل في مدينة غزة الصغيرة التي تقف بشموخ وقوة أمام أعتى القوى العسكرية درسًا كبيرًا.

الدرس الثاني الرابط بين فاتح القدس والسلطان الفاتح ألا ينكسر القائد ولا جيشه فلا يستسلم لهزيمة هنا أو مذبحة هناك، فالطريق طويل فيه انكسارات كبيرة، وانتصارات كبرى، فلا يتوقف قائد ولا جند، أمة ولا دولة أمام هزيمة.

في محاولات الفاتح محمد لدخول القسطنطينية فقد الآلاف تحت الأسوار القوية ونيران الصليبيين حتى تهلهل الجيش وفقد السلطان نفسه في لحظة يأس الأمل، لكن قوة عقيدته وإيمانه أعاده للمعارك لينتصر، هذا أيضًا ما يحدثنا التاريخ عن بعضه في قصة صلاح الدين ومحاولات تحرير القدس.

هنا يجب ألا نقف أمام هؤلاء الذين يستسلمون ويرفعون الرايات البيض بحثًا عن غنائم، أو المرجفين الذين يولون الأدبار ويرتعبون من مواجهة الأعداء، قليلي الإيمان والعقيدة.

فنيا يبدو فريق العمل الدرامي فاتح القدس قرروا استمراره لموسم عديدة وما يسميه الفنانون قماشة الدراما تسمح بهذا، إلا أنه وقع في أخطاء التطويل في الأحداث، وتشابه في ذلك مع المؤسس عثمان في موسمه الخامس.

لم يكن لفضيلة المونتاج دور كبير في صلاح الدين أو فاتح القدس مما أوقع العمل في خطيئة المط والتطويل.

تخلص العمل الدرامي السلطان الفاتح من هذه الخطيئة فلم يقع فريق العمل في حكايات خارج الرسالة الأهم للعمل فتح القسطنطينية، صراع الشخصيات قوي خاصة شخصية محمد الثاني والإمبراطور قسطنطين إمبراطور بيزنطية، شخصيات قوية مرسومة فنيًا ودراميًا جيدًا، السلطان الفاتح استوعب دروس الأعمال الأخرى فجاء عملًا قويًا بلا ملل، ولا خطيئة مونتاج ولا إنتاج.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان