مؤتمر مصر والاتحاد الأوروبي: للاستثمار أم لتنشيط الواردات؟

علم الاتحاد الأوروبي (غيتي)

تنظم الحكومة المصرية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران الحالي مدة يومين، الذي يتوقع أن يسفر عن توقيع عدد من مذكرات التفاهم بعدد من القطاعات الاقتصادية، كالطاقة المتجددة والبنية التحتية والنقل المستدام وشبكات المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم وغيرها.

ويتطلب الأمر التعرف على الاستثمار الأجنبي المباشر للاتحاد الأوروبي بمصر، الذي ظل يمثل المكون الأكبر بين التجمعات الدولية المستثمرة بمصر سنوات طويلة، حتى تخطى نصيبه النسبي من مجمل تلك الاستثمارات المباشرة 60% عام 2010 و70% عام 2012، إلا أن قيمة تلك الاستثمارات الداخلة لمصر قد تراجعت في السنوات الأخيرة، وبالتالي تراجع النصيب النسبي للاتحاد الأوروبي ليصل إلى 27% من مجمل تلك الاستثمارات المباشرة العام الماضي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وبعد أن كانت قيمة تلك الاستثمارات تتخطى تسعة مليارات من الدولارات عام 2012، بل زادت على 11 مليار دولار عام 2019، إذا بها تتراجع خلال السنوات التالية لتقل عن خمسة مليارات قبل عامين وتقل عن ستة مليارات العام الماضي، مع الأخذ بالاعتبار تركز تلك الاستثمارات الواردة من الاتحاد الأوروبي بعدد قليل من دول الاتحاد، حيث استحوذت خمس دول هي: إيطاليا وهولندا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا على نسبة 86% من مجمل الاستثمارات المباشرة الواردة من دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين.

والنتيجة تدني قيمة الاستثمارات الداخلة لمصر عن مليون دولار في أربع دول، وانخفاضها عن خمسة ملايين دولار في عشر دول. وإذا كانت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة من دول الاتحاد الأوروبي، العام الماضي إلى دول العالم قد بلغت 183 مليار دولار فقد كان نصيب مصر منها 5.711 مليارات دولار بنسبة 3%، إلا أن تلك النسبة جاءت بسبب كبر الرقم الوارد من إيطاليا البالغ 2.6 مليار دولار، بينما كان نصيب مصر يقل عن 1% من الاستثمار الأجنبي المباشر الخارج من 16 دولة من دول الاتحاد.

 الاستثمار الخارج أكبر من الداخل أحيانا

كما أن تحليل موقف الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد من الاتحاد الأوروبي لمصر يتطلب إظهار باقي عناصر الصورة، فإذا كان قد دخل مصر استثمار أجنبي مباشر من دول الاتحاد بقيمة 5.711 مليارات دولار، فقد خرج من مصر في نفس العام الماضي استثمار أجنبي مباشر إلى دول الاتحاد الأوروبي بقيمة 4.358 مليارات دولار، أي أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر من دول الاتحاد قد بلغ 1.353 مليار دولار فقط، وهو ما يمثل أقل من 14% من إجمالي صافي الاستثمار الأجنبي المباشر من كل دول العالم لمصر البالغ 9.8 مليارات دولار العام الماضي.

وهنا تتبدل ملامح الصورة لاستثمارات بعض دول الاتحاد بمصر، فإيطاليا صاحبة النصيب الأكبر من الاستثمارات الواردة لمصر من دول الاتحاد الأوروبي البالغ 2.456 مليار دولار، قد خرجت إليها من مصر في نفس العام الماضي استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 3.155 مليارات دولار، أي أن صافي استثمارات إيطاليا بمصر قد حقق عجزا بقيمة 699 مليون دولار، ويتكرر ذلك مع النمسا التي خرجت إليها استثمارات أكبر مما ورد منها.

ومن ناحية أخرى فإن خصم قيمة الاستثمارات الكبيرة التي خرجت من مصر العام الماضي إلى كل من هولندا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والسويد ولكسمبورج، قد قلل من صافي استثمارات تلك الدول بمصر.

الأمر الذي يثير سؤالا حيويا عن مدى ملاءمة التوقيت الحالي لعقد مؤتمر للترويج لاستثمار دول الاتحاد الأوروبي بمصر، حيث ما زالت أزمة نقص الدولار موجودة بدليل تأخر سداد مستحقات شركات البترول العاملة بمصر، وتأخير الإفراج عن آلاف السيارات من الموانئ، والسعي لشراء غاز طبيعي من الخارج لتشغيل محطات توليد الكهرباء بالأجل، إلى جانب استفحال أزمة انقطاع الكهرباء وتأثيرها في النشاط الصناعي والتجاري، وخروج العشرات من المستثمرين المصريين للاستثمار في دول خليجية وإفريقية، وبالتالي فالأولى إقناع هؤلاء المصريين بالعودة للاستثمار في الداخل، قبل إقناع المستثمرين الأوربيين في ضوء استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في غزة وتزايد احتمالات امتدادها إلى لبنان وربما إلى قبرص.

    الطاقة والمزيد من الواردات هما الهدف

ولأن المفوضية الأوروبية تدرك كل تلك العوامل فلماذا وافقت على عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت الصعب؟

هنا تتدخل عوامل حرص دول الاتحاد الأوروبي على مساندة النظام المصري، كما أن المؤتمر سيسفر عن مذكرات تفاهم وليس عقودا ملزمة، خاصة بعد تماهي موقفه مع موقف الاتحاد الأوروبي من المقاومة الفلسطينية وسكان غزة! وكذلك نجاحه في منع الهجرة غير الشرعية من السواحل المصرية منذ عام 2018 وحتى الآن؛ مما دفع الراغبين في الهجرة غير الشرعية إلى سواحل جنوب أوروبا إلى اتخاذ ليبيا أو تونس بديلًا.

وفضلًا عن ذلك هناك سببان رئيسيان لعقد المؤتمر الذي سبقه عقد القمة المصرية الأوروبية في مارس/آذار الماضي، أولهما محاولة دفع عمليات التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي سواء في مصر أو غيرها، حيث استهلكت دول الاتحاد الأوروبي العام الماضي 10.5 ملايين برميل من المشتقات يوميا، كما استوردت دول الاتحاد 404 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي العام الماضي، كان نصيب مصر منها 1.6 مليار متر مكعب فقط؛ إذ تراجع تصدير الغاز المصري عما كان عليه عام 2022 بسبب تراجع الإنتاج وزيادة الاستهلاك المحلي، وكذلك تطلعها إلى مشروعات الهيدروجين الأخضر التي ستتوسع فيها مصر.

والسبب الثاني والرئيسي هو تراجع قيمة الواردات المصرية من الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، خاصة مع إجراءات ترشيد الاستيراد التي بدأت أواخر عام 2015، ثم عادت لتتزايد خلال العامين الماضيين وما زالت مستمرة بقدر ما حتى الآن، فبعد أن كانت قيمة الواردات المصرية من الاتحاد الأوروبي تتخطى ثلاثة وعشرين مليار دولار في سنوات 2014 و2015 و2016، إذا بها تتراجع خلال السنوات التالية لتصل إلى 21.3 مليار العام الماضي، رغم زيادة قيمة الواردات الإجمالية وزيادة عدد السكان، ووجود اتفاقية للشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي منذ عام 2004 تكفل دخول السلع بينهما بدون جمارك.

وذلك في حين ازداد نصيب الصين وروسيا والهند من الواردات المصرية رغم عدم وجود اتفاقات تجارة حرة معهم، وهكذا تقلص الفائض التجاري الذي كانت تحققه دول الاتحاد الأوروبي مع مصر، الذي زاد عن سبعة عشر مليار دولار عامي 2015 و2016، ليصل إلى 8.2 مليارات دولار العام الماضي و3.6 مليارات دولار فقط العام الأسبق، في حين تعاني العديد من دول الاتحاد الأوروبي من العجز التجاري.

في العام الماضي حققت 14 دولة من دول الاتحاد عجزا تجاريا سلعيا بقيمة إجمالية بلغت 340 مليار دولار، أبرزها فرنسا وإسبانيا واليونان والبرتغال ورومانيا؛ مما دعا الاتحاد إلى رفع مستوى العلاقات مع عدد من الدول منها مصر إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، لدفعها إلى شراء المزيد من السلع والخدمات من دول الاتحاد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان