متى تنتهي الحرب الأوكرانية؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (الفرنسية)

(1) كسر الخطوط الحمر

تبدأ الحروب عادة نتيجة اختلاف الإرادات ورغبة الطرف البادئ بالحرب بتغيير المعادلة على أرض الواقع، لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية.
كل من يبدأ حربًا يسعى إلى النصر لتحقيق أهدافه، فمن غير المنطقي أن يبدأ طرف حربًا يتوقع أن ينهزم فيها، فقبل الإقدام على الحرب يتم الإعداد لها وترقب اللحظة المناسبة لشنها، مع إعداد مسبق لمسرح الأحداث بتحركات سياسية ودبلوماسية وحرب نفسية وشائعات تختلط فيها الحقائق بالأكاذيب.
لكن مع طول أمد الحرب قد تتغير مسارات المعركة نتيجة تدخل أطراف خارجية في الصراع، ويصبح من الصعب حسم المعارك أو التنبؤ بموعد نهايتها والطرف المنتصر فيها، وقد يتفاوض الطرفان دون تحقيق انتصار لأي منهما نتيجة إنهاك الطرفين وتكلفة الحرب المرتفعة، كما كان الحال بين العراق وإيران التي استمرت الحرب بينهما ثماني سنوات دون أن ينتصر أي من الطرفين.
حين تطول الحرب ويكون لدى كلا الطرفين المتحاربين العزم والقدرة على مواصلة القتال حتى تحقيق الانتصار، يتم تخطي المحاذير والخطوط الحمر، ويصبح كل شيء مباحًا لتحقيق تقدم ملموس في ساحة القتال قد يفيد عند الجلوس على مائدة المفاوضات، وهو ما يحدث في أوكرانيا.
الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية شريك في الحرب على روسيا، وهو عاقد العزم على ألا تخرج منها منتصرة محققة لأهدافها، لأن ذلك له تأثير مباشر في المعسكر الغربي الأوروبي وكذلك على الهيمنة الأمريكية وانفرادها بمكانة القطب الأوحد المتحكم في النظام الدولي الحالي.
منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في 24 فبراير سنة 2022، ظل الغرب ملتزمًا بأمرين: عدم الانخراط بشكل مباشر في الحرب ضد روسيا ومنع الجيش الأوكراني من استخدام السلاح الغربي في استهداف المدن الروسية، حتى لا يثير ذلك غضب موسكو وانتقام سيد الكرملين، لكن مع تراجع أداء الجيش الأوكراني وتقدم الجيش الروسي على خطوط المواجهة وفشل الهجوم الأوكراني المضاد في يونيو من العام الماضي، تغيرت الخطط وأصبح الغرب مضطرًا للتخلي عن التزاماته السابقة، لعل الهجوم على المدن الروسية وسقوط ضحايا مدنيين يكون رسالة تحذير قوية لروسيا مفاداها أنها في مرمي نيران السلاح الغربي، وأن يد الغرب ليست مغلولة ويمكن أن تمتد بالأذى إلى كل شبر في روسيا.
الهجوم الأوكراني الأخير على مدينة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا إليها عام 2014، تم بوساطة صواريخ أمريكية الصنع، ولقد سقط عدد من المدنيين الروس بين قتيل وجريح ومنهم أطفال.

توعدت موسكو بالانتقام من أمريكا، في حين حث الرئيس الأوكراني زيلينسكي حلفاءه الغربيين بالسماح له بضرب القوات الجوية الروسية بأسلحتهم ردًا على الطلعات الجوية الروسية التي تطول العمق الأوكراني وتقصف المنشآت الحيوية فيه.
من ناحية أخرى أعلن الرئيس الروسي بوتين أثناء زيارته لفيتنام التي تمت مؤخرًا، أن روسيا تدرس تعديل عقيدتها العسكرية بشأن استخدام الأسلحة النووية، توقيت الهجوم على سيفاستوبول له علاقة بالزيارة التي قام بها الرئيس الروسي لكل من فيتنام وكوريا الشمالية والمعاهدات والاتفاقيات التي تم توقيعها مع الدولتين التي تمنح روسيا موطئ قدم وحقًا في استخدام قوتها العسكرية حال نشوب أي صراع بين أمريكا والصين تتضرر منه فيتنام أو كوريا الشمالية، وهذا الصراع المؤجل متوقع أن يحدث خلال العامين المقبلين على أكثر تقدير.

(2) أمريكا تفقد هيبتها

فشل الرئيس الأمريكي جو بايدن في إدارة الحرب والسلام، رغم الدعم الضخم المقدم لأوكرانيا وإسرائيل لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها تحقيق انتصار على روسيا أو فرض هدنة في غزة. العالم يعيش أجواء الحرب الباردة والاستقطاب الحاد بين المعسكر الغربي بقيادة أمريكا والمعسكر المناوئ الذى يضم عددًا من الدول الصاعدة بقوة واقتدار على المسرح الدولي والرافضة لنظام القطب الواحد، وتنادي بنظام عالمي متعدد الأقطاب لا تحتكر فيه أمريكا القيادة وعلى رأس هذا المعسكر الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية ودول أخرى لم تعلن موقفها صراحة خوفًا من العقوبات الغربية، وهذا المعسكر المضاد نجح في أن يكون ندًا وخصمًا قويًا للمعسكر الغربي، وكما أن المعسكر الغربي يرفض تمامًا انتصار روسيا في أوكرانيا، فإن المعسكر المضاد يعمل بهمة لمنع هزيمة روسيا، لأن هزيمتها تعني استمرار الهيمنة الأمريكية الغربية على النظام العالمي.

(3) تنتهي الحرب حين تنفد الذخيرة أو يتراجع الدعم الغربي

يقدر الخبراء العسكريون الغربيون إنتاج روسيا من السلاح والذخيرة بثلاثة أضعاف ما تنتجه دول الناتو من ذخيرة وسلاح، وأكثر من مرة اشتكى الرئيس الأوكراني زيلينسكي من نقص الذخيرة اللازمة لمواجهة القصف الروسي المستمر والمكثف، ونقص الذخيرة يكون له نتائج سلبية على سير العمليات العسكرية، وتأخر إمدادات السلاح والذخيرة يترك الجيش الأوكراني بلا حول أو قوة أمام الهجمات الروسية وهو ما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تراجع المعسكر الغربي عن الاستمرار في دعم أوكرانيا عسكريًا، وخاصة أن مخزون الأسلحة في دول الناتو تأثر كثيرًا بسبب الحرب الأوكرانية، وأضف إلى ذلك التزام أمريكا بتسليح إسرائيل في حربها مع “حماس” و”حزب الله”.
حرب أوكرانيا سيكسبها من لديه القدرة على مواصلة القتال دون أن تفرغ مستودعات سلاحه وذخائره، وأيضًا من يملك المرونة وضبط النفس للتعامل مع المناورات السياسية والحروب النفسية، وأن يسبق غريمه بخطوة وألا تكون خطواته رد فعل، لكن بفعل يسبقه تخطيط وتحديد أهداف، وأعتقد حتى الآن أن روسيا بقيادة بوتين تملك أوراقًا رابحة أكثر مما يملكه المعسكر الغربي بقيادة أمريكا، ولعل مبادرة بوتين للسلام تجد لها مع الوقت آذانًا صاغية في أوروبا وأمريكا بعد أن يدركوا أنه حان الوقت للجلوس حول مائدة المفاوضات.

 

المصدر : الجزبرة مباشر