العالم يتغير.. ولكن!!

أمريكيون يتابعون المناظرة الرئاسية لعام 2024 بين بايدن وترمب (الأناضول)

استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، تشير إلى خسارة الديمقراطيين الانتخابات الرئاسية في نهاية العام، ليصبح دونالد ترمب رئيسًا، خلفًا للديمقراطي جو بايدن، إذا استمرت سياسات الديمقراطيين من دون تغيير، وكذلك تؤكد الاستطلاعات هزيمة ساحقة لحزب المحافظين الحاكم في الانتخابات البريطانية في الرابع من الشهر المقبل، لصالح حزب العمال، كما تحسم الاستطلاعات أيضا خسارة الائتلاف الحكومي في فرنسا، الأسبوع المقبل، لصالح الأحزاب اليمينية، ليسدل الستار على حقبة حزب النهضة برئاسة إيمانويل ماكرون، في الوقت الذي حقق فيه اليمين المتطرف في عدد من الدول الغربية فوزًا ملحوظًا في انتخابات البرلمان الأوروبي، التي جرت هذا الشهر.

قد تدلّ هذه المؤشرات على أن العالم الغربي يتجه إلى التطرف والمواجهة مع الآخرين، في الوقت الذي تتزايد فيه حدة القتل والدمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بفعل الآلة العسكرية الأمريكية الغربية، والدعم السياسي اللامحدود، بالتزامن مع تعاظم الحديث عن السلاح النووي في كل من روسيا والغرب، على خلفية الحرب في أوكرانيا، وصراع أمريكي صيني على كل الأصعدة، خصوصا حول تايوان، وارتفاع حدة المنافسة في القرن الإفريقي، مع عمليات تمرد واسعة على الوجود الفرنسي الأمريكي، وتوسّع العلاقات مع كل من روسيا والصين وإيران وتركيا.

السؤال: ما هو وضع العرب على خريطة تلك التغييرات، وأثر ما يجري بشكل خاص على القضية الفلسطينية في ظل هذه الأحداث، مع وضع التطورات الجارية على أرض المواجهة مع دولة الاحتلال، في الاعتبار؟

   ثقافة الشعوب

المؤكد أن حالة من التغيير الكبير قد طرأت على ثقافة الشعوب في كل من الولايات المتحدة والغرب بشكل عام تجاه القضية الفلسطينية، بعد سنوات طويلة من التغييب، نتيجة سيطرة واسعة على وسائل الإعلام بشكل خاص، على غير الاعتقاد السائد حول حرية الإعلام هناك، وهو الأمر الذي تتكشف أبعاده يوما بعد يوم أمام الرأي العام في هذه المجتمعات، التي يمكن القول إنها انتفضت أمام الحقيقة التي يتم نقلها على الهواء مباشرة، مع تقدم وسائل الإعلام، ووسائل الاتصال، وغير ذلك من شهود عيان غربيين، نقلوا شهاداتهم للمنظمات الدولية والحقوقية في العالم.

وربما يتناقض ذلك مع ثقافة بنيامين نتنياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال، الذي دافع عن سياسات القتل والدمار في مواجهة ضغوط العالم الخارجي قائلًا: “في حرب 1948 وما بعدها كان العالم يستنكر الممارسات الإسرائيلية المشابهة، إلا أن الإصرار على استمرار هذه الممارسات، هو الذي صنع في النهاية دولة إسرائيل، ولو أننا استجبنا للرأي العام العالمي، لما كنا حققنا شيئًا!!”، ذلك أن نتنياهو تناسى هذا التطور التكنولوجي في النقل المباشر للأحداث من جهة، وتجاهل من جهة أخرى أن العالم قد سئم الأكاذيب والغش والتدليس وتزوير التاريخ، وهو ما عبر عنه، بشكل خاص، طلاب الجامعات في العالم.

قد يرى البعض أن وجود الجمهوريين برئاسة ترمب في البيت الأبيض الأمريكي، يمثل انتكاسة للقضية الفلسطينية، لما هو معلوم عنهم، وعن ترمب تحديدًا، من تطرف واضح فيما يتعلق بدعم دولة الاحتلال، وقد ينطبق ذلك أيضا على وصول المتطرفين اليمينيين إلى الحكم في هذه الدولة أو تلك من الدول الغربية، إلا أن المؤكد هو أن إنجازات المقاومة على أرض الواقع، وصمود الشعب الفلسطيني في مواجهة سياسات التجويع والدمار والقتل والإبادة، جعلا القضية الفلسطينية الآن في موقع متقدم بقائمة الاهتمامات الدولية، ولم يعد ممكنًا تجاهلها، أو حتى إبعادها عن جدول الأولويات، مثلما حدث في الماضي، وهو إنجاز كبير في حد ذاته.

كل الاحتمالات واردة

الأمر الآخر، هو أن كيان الاحتلال بصيغته الحالية، أصبح يمثل عبئًا على الغرب والولايات المتحدة معًا، بل على سلام العالم كله؛ ذلك أن استمرار وجود الكيان أصبح مكلفًا عسكريًّا وماليًّا واقتصاديًّا، وحتى في العلاقة بين هذه الأنظمة وشعوبها، إذ إن اتهامات الإبادة أصبحت تُوجَّه إلى الدول الداعمة لدولة الاحتلال، بعدما أصبحت هذه الممارسات تمثل قضايا أمام المحاكم الدولية للمرة الأولى في تاريخ الصراع، وهو ما دعا عددًا من دول الغرب إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، فيما يشير إلى تنسيق كبير في هذا الشأن، داخل المنظومة الغربية.

ولأن الحرب لم تتحدد أبعادها بوضوح حتى الآن ، فإن كل الاحتمالات حول توسيع دائرة الصراع واردة، إلا أن المؤكد أن أمد الحرب ما زال طويلًا، في الوقت الذي تتسرب فيه أنباء عن شحن مقاتلين محترفين يقدر عددهم بعشرات الآلاف إلى جبهة القتال اللبنانية، قدِموا من أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن، وهي الجبهة التي يمكنها في هذه الحالة استيعاب متطوعين من أنحاء العالم الإسلامي، على غرار الحرب الأفغانية مع الاتحاد السوفيتي 1980-1988، ذلك أن خطة حزب الله هذه المرة، تتمثل في نقل الصراع إلى داخل الكيان، من خلال غزو مشابه لما قامت به المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر، على خلاف ما كان يجري في المواجهات السابقة، من اجتياح إسرائيلي للأراضي اللبنانية.

يمكننا القول إذن، إنه أيًّا كانت نتائج التحولات والتغيرات السياسية في الداخل الأمريكي والغربي، فإن العالم مقبل على تحولات دراماتيكية، سوف يكون العالم العربي أحد محاورها المهمة، بما يجعل المنطقة فاعلة، وليست مفعولًا بها، للمرة الأولى في العصر الحديث، على الرغم من حالة الصمت الرسمي العربي تجاه الأحداث، الذي يصل إلى حد التخلي عن قضيتهم الرئيسية، على الرغم من أن كل المؤشرات تؤكد أن المقاومة الفلسطينية تمثل الآن خط الدفاع الأول عن العالم العربي كله، في مواجهة مخططات صهيونية ماسونية، تعقدت حساباتها إلى الأبد، بعد أن استهدفت الاستقلال العربي من المحيط إلى الخليج، بفرض الهيمنة والتطبيع تارة، ونشر الرذيلة تارة أخرى، وتركيع الأنظمة في كل الأحوال.

بيد أن التغير العالمي الحاصل الآن، سواء عن طريق الأنظمة وسياساتها، أو الشعوب وثقافاتها، يحتم على العالم العربي، أنظمةً وشعوبًا، الإسراع بمسايرة ما يجري، وذلك بإعادة النظر في الأوضاع الحالية، داخليًّا وخارجيًّا، حتى لا نكتشف فجأة أننا أصبحنا خارج التاريخ، وهو ما سوف يستوجب، إن عاجلًا أو آجلًا، تغييرات قسرية مكلفة نحن في غنى عنها، ويكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن حالة الاستقطاب داخل المجتمعات العربية قد بلغت مداها، بما فيها من استقطابات سياسية وطائفية ومدنية وعسكرية وعرقية وقبلية، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة، أصبحت معالمها واضحة للعيان.

المصدر : الجزيرة مباشر