ضرورة تأهيل الحجاج ومشايخ الحج

التجربة الماليزية المهمة.. مشايخ الحج هم المشكلة.. ماذا كان يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل؟

الشيخ صلاح أبو اسماعيل (منصات التواصل)

كثرة حوادث الحج المتكررة على مدار سنوات وعقود، تجعل التفكير الدائم والجدي لحل المشكلة أمرا مهما، وقد تكلم الكثيرون عن جوانب مهمة للمشكلة والحل، ولكن لا شك أن هناك جانبين مهمين في الأمر، لو تم حلهما لانحلت ثلاثة أرباع المشكلة على الأقل، وهما جانبان يتعلقان بالحجيج أنفسهم، وبالمشايخ الذين يفتونهم في شركات السياحة التي تنقلهم للحج، أو بما يعرف في الخليج بحملات الحج، سواء كانوا بمعرفة الهيئات الدينية في بلدانهم، أو في الحج نفسه.

فالحجيج أفراد يأتون من بلاد شتى، كل بثقافته وخلفيته الدينية والبشرية، وإذا كان هذا الاختلاف البشري يمثل ثراء معنويا للإسلام والمسلمين لأن الحج شعيرة عالمية وإنسانية، فهو يمثل كذلك ثقلا أو عبئا إداريا، إذا لم يحسن ترشيده من خلال تأهيل هؤلاء الحجيج للتعامل مع هذه الشعيرة المهمة.

ضرورة تأهيل الحجاج للرحلة

والأمر يبدأ بتأهيل الحجيج، وذلك من خلال تثقيفهم وتوعيتهم سواء على الجانب الديني، أو الجانب الحياتي، وهذا دور منوط بالوزارات التي ترتب أموره في بلدان الحجاج، وأفضل نموذج قدمه المسلمون في عصرنا في هذا الشأن ما يقوم به الماليزيون، حيث إنهم يعطون دورات مكثفة عن الحج، وبشتى طرق الشرح، وعمل مجسمات للمشاعر، وكيف يتصرف الحاج في كل مشعر، بالطبع تبعا للمذهب الفقهي السائد لديهم، وهو المذهب الشافعي، ويتم تمرين الحاج على ذلك، ولا يسمح بإدراج اسم شخص للحج حتى يجتاز هذه الدورة، وذلك تقليلا من حجم الأخطاء، أو الكوارث التي ربما تحدث.

أما في بلداننا العربية فينطلق الحاج للأسف من باب العاطفة الدينية فقط، وهو أمر محمود من حيث الجملة، لكنه ليس محمودا من حيث التفاصيل، لأنه تبنى عليه أعمال وأحداث يحار الحاج فيها بين فساد الفريضة، وبين ضياع حياته، ولا أعلم حتى الآن أن دورات تقام للحجاج في بلداننا كمصر مثلا، يتم فيها الشرح، سوى معلومات سرعان ما ينساها الحاج، ورغم تذكير الواعظ أو الشيخ في الرحلة فسيظل الكلام نظريا يتذكره أو ينساه حسب قدرته على الحفظ، وهناك نسبة غير قليلة من الأميين والمسنّين والمحدودي الثقافة، وبخاصة في فريضة لا تؤدى سوى مرة في العمر، فهي ليست كالصلاة، يؤديها يوميا، أو كالصوم يؤديه سنويا، إنها فريضة المرة الواحدة؛ مما يصعب الأمر.

لذا يكون من الجيد الشرح العملي، والملازمة الجيدة للحاج بالنصح والتعليم، ليس على مستوى المعلومة الدينية فقط، بل على مستوى المعلومة الحياتية، ليُشرح له كيف يتعامل مع الزحام، وكيف يتعامل مع الخيام، وكيف يتعامل مع كل التفصيل في بلد ليس بلده، ولا يعلم مداخله ومخارجه جيدا، كل هذه تفاصيل قد يراها البعض بسيطة، لكنها مهمة، ولا تقل أهمية عن معلومات الحاج الدينية.

وينبغي أن تقوم بذلك الأمر بجدارة الشركات التي ترتب الرحلة، فلا بد من خبرة وكفاءة لها، على المستويين: الشرعي والإداري، بإيكال كل أمر إلى أهله، فليس مطلوبا أن تكون الشركة فقيهة وإدارية، لكن دورها رئيسي ومهم، وبغياب هذا الدور تنتج كوارث، ولا يظنن أحد أن الأخطاء تنتج عن الحجاج غير الرسميين، فهذا هروب من الحقيقة، بل إن كثيرا من الأخطاء أيضا نتج عن شركات حج سياحي فاخر وغال جدا، فلا بد من اختبار جودة هذه الشركات في إدارة مشعر ديني مهم كالحج.

وعلى هذه الشركات أن تدير الرحلة بكفاءة، من حيث توحيد مواقف الحجاج والرأي الفقهي الذي يتبنونه بناء على كلام المشايخ وفتاواهم، بدل ترك الحجاج مشتتين، كل يمشي حسب ما يريده، أو حسب من يفتيه هنا أو هناك؛ فليس دور هذه الشركات فقط الذهاب والإياب والأكل والشرب، بل تنظيم الرحلة بكل تفاصيلها.

مشكلة بعض مشايخ الحج

الجانب الآخر المهم في المعادلة، هو مشايخ الحج، حيث إن كثيرا منهم للأسف يكون جزءا من المشكلة، لا الحل، فإن كثيرا من الشركات فإن كثيرا من الشركات تستصحب من الشيوخ من يناسبها ماديا، لا من يناسب الرحلة علميا، وربما يكون قد مر على اختبارات وزارة الأوقاف ونجح فيها، لأنه يحفظ تفاصيل أقوال المذاهب في الحج، لكن في الممارسة الفقهية على أرض الواقع، وفي إطار مشكلات قائمة، وجو يصعب فيه التشديد على الناس، يكون مثل هذا الشيخ غير مناسب للرحلة.

فالناس في هذه المواسم يتلظون من شدة الحر، وضيق النفس، في بقعة جغرافية محدودة، ومعلومة ظروفها التضاريسية، وسيظل الحج لسنوات قادمة في الصيف، ولن يقل الازدحام في المناسك؛ لأنه لو كان العدد كبيرا في الصيف، فكلما مضى الزمن وجاء في الشتاء، يزداد ازدحاما، لأن أجواءه مساعدة مشجعة، فإذن نحن أمام مشكلة دائمة وليست مؤقتة، عدد يزداد، وبقعة جغرافية للمناسك محدودة، وليس أمامنا مبدئيا سوى تطوير العقل الفقهي المشيخي في التعامل مع هذه المسائل.

والعجيب أن المذاهب الفقهية لم تقصر في ذلك، فما من رأي ييسر على الناس، إلا ونص عليه فقيه من الفقهاء، ولو رجعنا إلى ما قبل الفقهاء فسنجد الحلول الفقهية أوسع، ففي فقه التابعين والصحابة الأجلاء توسعة لا حدود لها، بل في العهد النبوي ذاته، إذ ما سئل صلى الله عليه وسلم عن شيء في الحج إلا قال: افعل ولا حرج، رغم أنه لم يحج سوى مرة واحدة، وكانت مزدحمة بعض الشيء وقتها.

بعض المشايخ مشكلته، أنه ضيق الأفق في الرأي الفقهي، وأنه أحيانا يقيس قدرات الناس على قدرته هو، وهذا من أكبر الأخطاء في التعامل مع الفتاوى التي تتعلق بالمجموع الكبير من الناس، وبعضهم لا يدرك الفرق بين فقه الأفراد وفقه الدول، وفقه المجتمعات الكبيرة، فهو ذاكر وأعد جيدا قبل ذهابه باب الحج من كتب الفقه ويمكنه دخول أي امتحان في الأزهر لينال درجة عالية، هذا كلام يصلح للدرس العلمي النظري، لكن عند النزول إلى أرض الواقع، هنا يأتي فقه آخر.

وهذا الخطأ والمزلق يقع فيه الكثيرون في فتاوى الحج، بداية بمن أجازوا للحجاج أن يحجوا دون الحصول على إذن رسمي، وأن الحج لا يشترط فيه ذلك، فهذا توريط للناس، ولا يبنى على فقه سديد، وهو أليق بفقه الأفراد لا فقه الدول كما ذكرت، وانتهاء بمن شددوا على الناس بالبقاء في الخيام في منى مع شدة الحرارة، ولم يفتوهم بأيسر المذاهب التي تجيز الخروج إلى الفنادق بعد اليوم الأول من العيد، وجواز أن يوكلوا عنهم من يرمي الجمرات، وبخاصة النساء والعجزة والمسنّين.

رحم الله الشيخ صلاح أبو إسماعيل، فقد كان كلما حج يذهب إليه الناس فيسألونه عن أعمال، فيفتيهم بالأيسر، فيذهب الحجاج إلى شيوخ آخرين من المتشددين فيقولون لهم: هذا لا يجوز ولا ينفع، فيعود الحجاج المساكين إلى أبي إسماعيل، فيقول لهم بمزاحه المعروف: قولوا لهم: الشيخ صلاح جربها ونفعت.

المصدر : الجزبرة مباشر