نتنياهو.. هل يُعيد لبنان إلى العصر الحجري أم أنها حرب نفسية على نصر الله؟

حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني
حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني (الفرنسية)

في ختام زيارته للعاصمة الأمريكية واشنطن الأربعاء، أعلن وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يوآف غالانت أن “إسرائيل” يمكنها إعادة لبنان إلى العصر الحجري، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية الجارية مع حزب الله، حسبما نقلت عنه وكالة الأنباء الفرنسية.

تهديدات غالانت من واشنطن تأتي في سياق الدعم الأمريكي المفتوح، و”الحرب النفسية المُشتعلة بين حزب الله اللبناني، والاحتلال الإسرائيلي” توازيا مع القتال الدائر بينهما، الذي بدأه الحزب (يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي)، مساندة للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

الشائعات والفُرقة والضغينة

يعنينا هنا التركيز على زاوية “الحرب النفسية” المتبادلة بين دولة الاحتلال، وحزب الله، ووسائلها من تسريب معلومات، ونشر شائعات، وتهديدات، وأيهما أقوى تأثيرا وردعا للآخر، الحزب أم الكيان الصهيوني؟ ولماذا؟

هذه “الحرب النفسية” قد تلجم أحد الطرفين أو كليهما، وتدفعه إلى مراجعة حساباته، أو تنتهي بحرب شاملة على لبنان، لتحويله إلى العصر الحجري، أو غزة ثانية، دمارًا وإبادة، حسبما يهدد به رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو وغالانت وغيرهما، مُتناسين أن “جيشهم” عالق في مستنقع غزة، دون مخرج. غالانت، وساسة الاحتلال بمثل هذه التهديدات، يستغلون التبايُنات السياسية في الداخل اللبناني، ويستثمرونها تخويفًا لشعب لبنان، وإثارةً للفزع والتوتر لديه، بادعاء أن جيش الاحتلال على وشك تدمير البلاد بغرض استنفار الشعب ضد الحزب، لتجريده من الدعم الشعبي، وضرب معنوياته.

تماما، مثلما يحاولون عبثًا في غزة إثارة الفُرقة والضغينة بين الشعب الغزّي وحركة حماس. في هذا السياق، تؤدي الشائعات دورا كبيرا في مثل هذه الحروب النفسية. ومن أمثلة ذلك نَشْر صحيفة تلغراف البريطانية لخبر كاذب قبل يومين، مفاده أن حزب الله يستخدم مطار الحريري الدولي لتخزين أسلحته. وهو ما حدا بأربعة وزراء لبنانيين إلى القيام بجولة في المطار، صحبة 16 سفيرا أجنبيا، لبيان كذب الخبر وتهافته، وقد أرغم ذلك الصحيفة على التراجع لاحقًا.

 تفجير الفرقاطة “ساعر” على الهواء مباشرة

في المقابل فإن الحزب يمارس “حربا نفسية” شعواء ضد الكيان ببراعة شديدة. هذه الحرب بدأت مع حرب يوليو/تموز 2006، إذ عمل الحزب وقتها مقاطع فيديو للضربات التي نفذها، وهو ما ألحق الأذى المعنوي بجنود الاحتلال، ومواطنيه. فقد بثّ الحزب في اليوم الثاني من الحرب، رسالة صوتية لزعيمه حسن نصر الله، يعطي فيها أمرا بقصف فرقاطة إسرائيلية من نوع ساعر 5، قبالة الساحل اللبناني، مع بث عملية تفجير الفرقاطة على الهواء مباشرة. نال هذا المشهد، سلبا من معنويات الكيان الصهيوني شعبا وجيشا، فثمن الفرقاطة 260 مليون دولار، وتزن 1230 طنا تقريبا، وتحمل 69 صاروخا هجوميا، ودفاعيا متنوعا، ويتولاها طاقم من 64 ضابطا بحريا. هذا المشهد (فائق المصداقية)، وتلاه لاحقا بث مقاطع يوميا لأرتال من دبابات الاحتلال (ميركافا)، وهي تحترق في الجنوب اللبناني، بمن فيها من جنود، وتتطاير في الهواء، بعد اصطيادها في حقول ألغام نصبها مقاتلو الحزب. وهذا هو عين ما تفعله المقاومة الفلسطينية، توثيقا لعملياتها البطولية، ضد جنود الاحتلال ومركباته.

تهديدات نصر الله ومُسيّرة هرمز

في الحرب الحالية نشرَ حزب الله، مقطع فيديو لمسيّرة الهدهد (18/ 6)، والتفاصيل معروفة، وهو ما أظهر مرة أخرى -بعد طوفان الأقصى- انكشاف الكيان أمنيا وأنه عارٍ، دون ساتر، وأن هذه القواعد العسكرية والمواقع الاقتصادية الحساسة، يسهُل استهدافها وتدميرها، ما دامت معلومة تفصيليا للحزب. ثم كان خطاب حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، وزعيمه بعد يوم من بث مقطعي الهدهد، ليعلن مُهددا أنه إذا شنت إسرائيل حربا شاملة على لبنان، فإنه لن يلتزم بقواعد، ولا ضوابط، ولا أسقف، ولن يكون أي مكان في الكيان في مأمن أو حصانة. “تهديدات نصر الله” تحظى بمصداقية مُجرّبة سابقا. وهي رادعة للكيان، فالمعلومات المُتاحة تشي بأن الحزب يمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ الدقيقة، والمُسيّرات، وأسلحة روسية، وصينية، وإيرانية فاعلة. وأنه يستطيع التعامل مع الطيران الإسرائيلي، وربما تحييده خاصة أنه أسقط -مؤخرا- مُسيّرة إسرائيلية متقدمة (هرمز 900) وهي على ارتفاع هائل جدا.

جولات الصراع

الصراع بين إسرائيل وحزب الله ممتد منذ نشأة المقاومة اللبنانية (حزب الله)، بعدما اجتاح جيش الاحتلال العاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 لينسحب إلى “جنوب لبنان 1983” ويستقر به، حتى طردته “قوات الحزب” من الجنوب (مايو/أيار 2000). “جولة الصراع” الثانية المعروفة بـ”حرب يوليو/تموز 2006″، جرت عندما اجتاح “جيش الاحتلال” الجنوب اللبناني بريا ثم انسحب منه بعد 34 يوما، أثخنه خلالها مقاتلو حزب الله، بالخسائر جُندًا وعتادًا. الجولة الحالية من القتال الدائر بين حزب الله و”الجيش” بدأت (قبل 263 يوما)، بهجمات الحزب على “شمال إسرائيل” (أراض فلسطينية ولبنانية محاذية لجنوب لبنان)، إشغالا له، لتخفيف الضغط العسكري على قطاع غزة.

طبول الحرب

تعالي دقات ساسة الكيان الصهيوني وجنرالاته، قرعا لطبول الحرب على لبنان، يهدف إلى تليين موقف الحزب لوقف هجماته على الشمال، وسحب قواته إلى ما وراء (شمال) نهر الليطاني اللبناني (يبلغ طوله 140 كيلومترا، مخترقا سهل البقاع، بمساحة 1950 كم للحوض)، وإيجاد “منطقة عازلة”، بطول عشرة كيلومترات تقريبا، داخل الأراضي اللبنانية. أما “الحزب” فيرهن وقف القتال في هذه الجبهة، بوقف الحرب في غزة، ويرفض مُطلقا الانسحاب إلى ما وراء الليطاني. لا أحد يستطيع الجزم بوقوع هجوم شامل على لبنان أو عدمه، فالحروب تندلع أو تتوسع، لأسباب غير محسوبة أو متوقعة نتيجة قصف هنا، أو خطأ هناك، أو سوء تقدير أحد طرفي الصراع للطرف الآخر. كما قد تندلع الحروب، لأسباب غريبة أو تافهة، والتاريخ لا يخلو من أمثلة لا يتسع لها المجال. أما إعادة لبنان إلى العصر الحجري، فهذا مجرد وهم وهذيان خارج المنطق.

المصدر : الجزيرة مباشر