انتخابات البرلمان الأوروبي 2024: اليمين في الصدارة وقلق المهاجرين يتزايد!

البرلمان الأوروبي
البرلمان الأوروبي (غيتي)

كما توقع الجميع، انتصر اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي مطلع هذا الشهر، واجتاحت الأحزاب الشعبوية المتطرفة السباق في أغلب دول الاتحاد، وخاصة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنمسا وغيرها.

نتائج غير مسبوقة تعكس ضيق الناخب الأوروبي، وخاصة الشباب، من السياسات الأوروبية التي أدت إلى إخفاقات على الصعيدين الداخلي والخارجي، وفي ملفات مهمة مثل اللاجئين والحرب الأوكرانية الروسية والمناخ والطاقة.

يرجع هذا النجاح اليميني المتطرف إلى الشباب، فثلث الناخبين تقريبًا من تلك الفئة، وكانوا قد أعربوا في استطلاعات الرأي عن أنهم سيصوتون للأحزاب اليمينية، ويرى البعض أن ذلك ليس نجاحًا لأجندة وبرامج الأحزاب اليمينية المتطرفة قدر ما هو إخفاق وفشل للأحزاب التقليدية التي قادت أوروبا في السنوات القليلة الماضية، فأوروبا عجزت عن حل الملفات الساخنة التي واجهت القارة، وجاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد من شقة الخلاف، وأعقبتها حرب غزة التي أظهرت وجه أوروبا المنحاز غير العادل، وترك كل ذلك أثره لدى فئة الشباب التي تمردت ومالت نحو اليمين المتطرف!

اليمين المتطرف يستعد لحكم فرنسا

في فرنسا كان السقوط مدويًا، فحزب ماكرون والائتلاف الحاكم لم يزد على 14%، بينما حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الذي تترأسه مارين لوبان فاز بنسبة 32% وتصدَّر قائمة الأحزاب المنتصرة.

مثّل ذلك إحراجًا كبيرًا للرئيس الفرنسي الذي أصدر قرارًا بحل الجمعية الوطنية للبلاد (البرلمان)، ومن ثم الدعوة إلى انتخابات جديدة نهاية هذا الشهر. لقد كانت نتيجة هذا التصويت تحمل إشارة لا لبس فيها، تقول للرئيس ماكرون إن الناخب الفرنسي لم يعد يثق بسياساته، وخاصة عندما أراد توريط فرنسا في الحرب الأوكرانية الروسية بإرسال جنود إلى ساحة المعركة، وهو أمر يمكن أن يقود حتمًا إلى حرب عالمية ثالثة.

في هذا السياق، نرى أن مارين لوبان رفضت توريط فرنسا في الحرب الأوكرانية، ووافق هذا هوى 75% من الفرنسيين الذين يرفضون ذلك أيضًا. هذا إلى جانب أن الوضع الاقتصادي في فرنسا ليس بخير، ومشكلة المهاجرين غير النظاميين ما زالت عالقة.

إن قرار الرئيس ماكرون بحل الجمعية الوطنية “البرلمان” والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، يراه البعض قرارًا أحمق سيأتي حتمًا باليمين إلى حكم فرنسا، في حين يراه البعض الآخر قرارًا صحيحًا رغم أنه يحمل وجه المخاطرة في فتح الطريق لحزب التجمع اليميني المتطرف للوصول إلى سدة الحكم، لكن ماكرون في كل الأحوال يريد مواصلة الحكم بأحزاب ليس لها قبول في الشارع. وهذا ما أعربت عنه مارين لوبان بكل ثقة في خطاب الانتصار، عندما قالت “نحن مستعدون لحكم فرنسا!”.

ألمانيا ليست أفضل حالًا

وفي ألمانيا، الحليف التقليدي لفرنسا في الاتحاد الأوروبي، لم يكن الوضع أحسن حالًا، فقد فاز اليمين المتطرف الممثل في حزب “البديل من أجل ألمانيا” كذلك بالمرتبة الثانية بنسبة 16% بعد الحزب الديمقراطي المسيحي المعارض -حزب المستشارة السابقة أنجيلا ميركل- الذي يترأسه فريدريش ميرتس وحصل على 30%. أما حزب المستشار أولاف شولتس الاشتراكي الديمقراطي فقد جاء في المركز الثالث محققًا نسبة 14%، وهي أسوأ نسبة حصل عليها في تاريخه.

كان واضحًا أن شولتس يعاني عراقيل شديدة منذ أن تولى الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2021، فبعدها بوقت قصير بدأت الحرب الأوكرانية الروسية، وما نتج عنها من توقف لإمدادات ألمانيا بالطاقة الروسية التي أثرت بلا شك في الإنتاج الصناعي الألماني ودخول ألمانيا في مرحلة الركود الاقتصادي، ثم الرضوخ للضغوط الأمريكية ومد أوكرانيا بالمال والسلاح من جيب دافع الضرائب الألماني.

رئيس المعارضة فريدريش ميرتس انتهز الفرصة، ووصف خسارة الائتلاف الحاكم بزعامة شولتس بالخسارة المهينة، وأنهم ألحقوا الضرر بالبلاد من جراء سياساتهم الداخلية والخارجية، وطالب الأمين العام للحزب الديمقراطي المسيحي المعارض البوندستاج بالتصويت بحجب الثقة عن الحكومة بعد هذه النتيجة الكارثية!

موقف صعب للمستشار الألماني، فثقة الناخب به أصبحت ضعيفة، ولا يمكن أن تتدنى نسبة التصويت لحزبه بهذا الشكل إلا إذا كان الألمان فعلًا قد أصابهم الضرر من تلك السياسات.

هل يغيّر اليمين المتطرف ملامح السياسة الأوروبية؟

إذا افترضنا جدلًا أن هدف اليمين المتطرف من الوصول إلى البرلمان الأوروبي ستتبعه أهداف أخرى بلا شك في الوصول إلى سدة الحكم في معظم الدول الأوروبية، تُرى إذن كيف سيصبح الحال في القارة الأوروبية؟

بالتأكيد ستصبح البرلمانات أكثر ميلًا إلى اليمين، وستصبح القوانين صارمة وشديدة حيال الأجانب والمهاجرين، وستنتهج الأحزاب اليمينية الأسلوب الشعبوي المتطرف، وسيتم التشديد على المسلمين وقد تصبح الأخطاء الفردية الصغيرة سببًا في الترحيل، فكثير من المهاجرين غير النظاميين يلجؤون إلى الاحتيال والكذب من أجل قبول لجوئهم.

من المتوقع أيضًا أن يكون اليمين أقل حماسًا للسياسات الرامية إلى معالجة تغيُّر المناخ، وأن يصبح الخلاف مع الأحزاب الأخرى أكثر حدة مما قد يتسبب في صعوبة تبنّي أي إجراء، وربما تخف حدة العداء لروسيا بسبب الخلافات حول الأولويات.

أيضًا قد يتفكك الاتحاد الأوروبي تحت حكم اليمين، فكل يرى أن بلده الأولى بالرعاية والاهتمام قبل الآخرين، وقد تتراجع أيضًا المنافسة الصناعية مع الصين وأمريكا، ولن تُضَم دول فقيرة إلى الاتحاد الأوروبي كما كان مقرَّرًا سابقًا، بسبب أنها دول فقيرة مثل جورجيا وأوكرانيا وصربيا وكوسوفو.

المصدر : الجزبرة مباشر