بوليفيا في مواجهة محاولة الانقلاب .. دروس وخبرات

أحد قادة محاولة الانقلاب الفاشلة (الأناضول)

يقول كتاب الحقائق الذي تُصدره وكالة الاستخبارات الأمريكية، ويتم تحديثه دورياً، عن بوليفيا إنها إحدى دول أمريكا الجنوبية الوسطى، حيث تقع جنوب غرب البرازيل، وهي دولة حبيسة حيث لا توجد لها سواحل على أي بحار أو محيطات، وتبلغ مساحتها نحو 1.1 مليون كم متر مربع تقريبًا، ويبلغ طول حدودها البرية نحو 7252 كم، تتوزع بين خمس دول أطولها مع البرازيل (3403 كم) تليها البيرو (1212 كم) ثم تشيلي والأرجنتين وتبلغ الحدود مع كل منهما (942 كم) ثم مع باراغواي (753 كم).

وتمتلك بوليفيا العديد من الثروات الطبيعية مثل القصدير، الغاز الطبيعي، البترول، الزنك، الفضة، الحديد، الرصاص، الذهب، الأخشاب، والليثيوم، كما يوجد بها أعلى بحيرة صالحة للملاحة في العالم يبلغ ارتفاعها نحو 3805 أمتار، ومساحتها 8030 كم على الحدود المشتركة بينها وبين بيرو، وتشغل الغابات نحو 52% من مساحة البلاد، ونسبة الأراضي الصالحة للزراعة فيها نحو 34%.

ويبلغ عدد سكان بوليفيا نحو 12.5 مليون نسمة، يتوزعون بين المستيزو (أصل مختلط من البيض والهنود الأمريكيين) 68%، السكان الأصليون 20%، البيض 5%، أخرى 7%. واللغات الرسمية في البلاد هي الإسبانية ويتحدث بها نحو 60% من السكان، والكيشوا 21%، والأيمارا 15%، والغواراني 1%.

تاريخ بوليفيا بين التحرر الوطني والانقلابات العسكرية

حصلت بوليفيا على استقلالها في السادس من أغسطس/آب 1825 من الاحتلال الإسباني، وأخذت الدولة اسمها من اسم محررها سيمون بوليفار، زعيم حركات التحرر الوطني في القرن التاسع عشر في أمريكا الجنوبية، والذي عاش بين عامي 1783 و1830، وتولى رئاسة البلاد عام 1825، والعاصمة الإدارية للبلاد هي مدينة لاباز (وتعني سيدة السلام) والعاصمة التشريعية والقضائية هي مدينة سوكري.

ومنذ استقلالها عام 1825 شهدت البلاد أكثر من 50 محاولة انقلابية نجح الكثير منها، وفشل بعضها، وصولاً إلى مرحلة الانتقال للحكم المدني في ظل موجات التحول السياسي التي شهدتها دول القارة في الثمانينيات من القرن العشرين، وتحديدًا عام 1982، ثم كانت أهم فترات التحول مع تولي إيفو موراليس رئاسة البلاد بين عامي 2006 و2019.

ومع الاتهامات بالتزوير في انتخابات 2019، أجريت انتخابات في البلاد عام 2020، فاز فيه لويس آرسي الذي كان وزيرًا للاقتصاد والمالية في عهد موراليس، وتم تصنيفه في تقارير دولية على أنه من أفضل عشرة اقتصاديين في أمريكا اللاتينية، واستطاع خلال السنوات الأربع الماضية خفض معدلات الفقر في البلاد من 60% إلى نحو 38%، وتأرجحت مستويات النمو الاقتصادي بين 2.4 و4.2% سنوياً.

وفي السادس والعشرين من يونيو/ حزيران 2024، تناقلت وكالات الأنباء الدولية تقارير حول محاولة انقلاب عسكري في بوليفيا ضد حكم لويس آرسي، قام بها قائد الجيش الجنرال خوان خوسيه زونيغا، وما هي إلا ساعات حتى تم إعلان إقالة زونيغا والقبض عليه واتهامه بتنفيذ محاولة انقلاب فاشلة، وفق مشاهد بثها التلفزيون الرسمي في البلاد.

في تفسيرات الانقلاب وأسبابه ودلالات توقيته

في إطار تقديم تفسيرات لهذه المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها بوليفيا، بعد حالة من شبه الاستقرار السياسي استمرت نحو 20 عامًا، برزت عدة اعتبارات، في مقدمتها الدور الأمريكي الداعم للعديد من الانقلابات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية بسبب الصراع الدائم بين تيارات اليسار الحاكم في معظم هذه الدول ومنها بوليفيا وبين تيارات اليمين التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن الرئيس لويس آرسي ينتمي لحزب “الحركة من أجل الاشتراكية” والذي يُعرف اختصارًا باسم “ماس”، فقد كان شكل السعي نحو إسقاط التجربة هدفًا أمريكيًا، وخاصة مع تعدد حكومات اليسار الحاكمة في دول القارة خلال العقدين الماضيين.

ويرتبط ذلك باتجاه تيارات وحكومات اليسار نحو تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية مع كل من جمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، وفي هذا السياق اتجهت حكومة لويس آرسي إلى تعزيز شراكاتها مع الدولتين وخاصة في الاستثمار في الليثيوم الذي يتم استخدامه في الأجهزة الإلكترونية والتي تمتلك منه بوليفيا احتياطيات كبيرة.

أحد التفسيرات الأخرى التي تم طرحها، للقيام بهذا الانقلاب هو الموقف البوليفي الداعم للقضية الفلسطينية، وخاصة في ظل تداعيات عملية طوفان الأقصى، إذ أعلنت بوليفيا قطع علاقاتها مع إسرائيل في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد مرور أقل من شهر على الطوفان، وخاصة بعد مجزرة جباليا التي ارتكبتها قوات الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين. وفي الثامن من يناير/ كانون الثاني 2024 أعلنت بوليفيا انضمامها إلى دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وفي مقابل هذه التفسيرات، لا يمكن تجاهل العوامل الداخلية وتأثيراتها أو على الأقل توظيفها في مثل هذه الظروف، وخاصة ما يرتبط منها بالأوضاع الاقتصادية، وتدهور مستويات المعيشة، وتصاعد معدلات الجريمة المنظمة في معظم دول أمريكا اللاتينية ومنها بوليفيا، وخاصة ما يرتبط منها بتجارة كل من المخدرات السلاح البشر، وتديرها شبكات دولية الكثير منها عابر للحدود، ويمتلك من الإمكانيات والقدرات ما يستطيع به تهديد أمن واستقرار العديد من النظم والحكومات.

في مواجهة الانقلاب.. دروس وخبرات

جاءت إدارة الرئيس البوليفي لويس آرسي لتقدم العديد من الدروس في التعاطي مع مثل هذا الأزمات التي قد تتعرض لها النظم السياسية، وخاصة في دولة تمتلك رصيدًا كبيرًا من الانقلابات العسكرية خلال القرنين الماضيين منذ استقلالها 1825 وحتى انقلاب 2024، وأول هذه الدروس كان المصارحة والمكاشفة والاحتماء بالشعب واعتباره المدافع الأول عن الحكم المدني والتجربة الديمقراطية، لذلك ما إن تحركت قوات الانقلاب وهاجمت القصر الرئاسي حتى خرج آرسي وطالب شعبه بالخروج دفاعًا عن تجربته وحريته في اختيار من يحكمه، وكانت الاستجابة الفورية للدعوة، بداية نهاية محاولة الانقلاب الفاشلة.

ثاني الدروس، الحسم والحزم في إدارة الأزمة، حيث أعلن آرسي مباشرة وبعد ساعات محدودة من محاولة الانقلاب إقالة قائد الجيش “خوان خوسيه زونيغا”، وتعيين قائد آخر، ومطالبة القائد الجديد وقائد الشرطة بالقبض على قائد الانقلاب، وكل من تورط معه في محاولته، ثم جاء الدرس الثالث في سرعة الاستجابة للتحذيرات والاستعداد لها، حيث ذكرت بعض التقارير الإعلامية أنه قبل وقوع الانقلاب وردت تحذيرات من روسيا الاتحادية باحتمالات وقوع الانقلاب، كما نشر الرئيس السابق موراليس تحذيرات من ذلك أيضًا، على الرغم من التنافس السياسي الكبير بين موراليس والرئيس آرسي.

ومع هذه الدروس وغيرها، جاءت تجربة بوليفيا 2024، لتُعيد التذكير بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا في 15 يوليو/ تموز 2016، وكيف كان الشعب هو حامي التجربة، مع وجود قيادة فاعلة ومؤسسات تتسم بدرجة من الاستقرار وتمتلك القدرة على الحشد والتعبئة في مواجهة مثل هذه الأزمات وتأخذ بالتحذيرات والتنبيهات، وتقف على مكامن الخطر وتعمل على استئصالها.

لكن يبقى التأكيد على أن فشل المحاولة الانقلابية في بوليفيا لا يعني نهاية الطريق، لأن البيئة السياسية والاقتصادية الداخلية ما زالت غير مستقرة، ومع تربص عدد من الأطراف الخارجية المُستندة على عدد من القوى الداخلية، فاحتمالات الانقلابات تبقى قائمة، ويبقى التهديد قائمًا، وهو ما يتطلب معه مزيد من الحرص والحذر والاستثمار في بناء الوعي الشعبي بأهمية وكيفية الحفاظ على الحكم المدني في مواجهة الآلة العسكرية، التي لا تجلب إلا الخراب والدمار والفساد والاستبداد، وتاريخ العديد من دول أمريكا اللاتينية خير شاهد.

المصدر : الجزيرة مباشر