خرائط التغلغل والنفوذ والسيطرة.. من يوثق؟ ومن يستفيد؟

متظاهرون فلسطينيون يحتمون من الطلقات النارية وقنابل الغاز المسيل للدموع التي يطلقها الجيش الإسرائيلي (رويترز)

ستنتهي الحرب وسيبقى الصراع، ومن يحسن حصاد تلك الأيام، ويستثمر ذلك في الإعداد، في الغالب هو من سيفوز في المعركة القادمة، لذا فالواجب يقتضي أن يسارع المختصون والمراكز البحثية (أفرادًا ومؤسسات، حكومات أو حركات ومحاور مقاومة، سواء بدول الطوق العربي أو غيرها من الدول العربية) إلى دراسة وتوثيق كل تفاصيل ومحاور ونتائج الحرب الدائرة، وخاصة خرائط التغلغل والنفوذ والسيطرة للكيان الصهيوني على مستوى دول العالم سواء في الغرب أو الشرق.

لماذا الآن؟

الجميع يتفق على أن الحرب الدائرة بالنسبة للكيان الإسرائيلي استثنائية ووجودية، وقد تمر عقود دون أن تتكرر بتلك القوة وبذلك التأثير.

ولولا ترسانات الأسلحة الغربية التي اصطفت محتوياتها في جسور بحرية وجوية وبرية لتدمير غزة، لعجزت إسرائيل عن الاستمرار في المواجهة.

لذا فقد استنفر الكيان الصهيوني كل طاقاته منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحتى الآن، واستخدم مجبرًا كل أوراق النفوذ والسيطرة والمال ومجموعات الضغط والإعلام والقوة الناعمة، حتى ظهر لبسطاء المواطنين في الغرب والشرق عمق التغلغل وحجم السيطرة وقوة التأثير المرعب للكيان الصهيوني على مراكز الحكم وصناعة القرار ومؤسسات الاقتصاد والإعلام في العالم.

ومع حالة التعبئة والاستنفار والوضوح وظهور الأجزاء التي ظلت غاطسة من جبل الجليد لعقود، الآن فقط أصبحت العينة جاهزة للدراسة الجادة المبنية على حقائق ووقائع وأحداث، ففي الحروب السابقة ولضيق أمدها لم تضطر إسرائيل قط حتى أثناء حرب أكتوبر عام 1973 إلى استخدام جميع أوراقها كما هو الواضح الآن.

حيث لم تظهر خريطة التغلغل والنفوذ والسيطرة بهذا الوضوح، وحتى إذا ظهر بعض معالمها من قبل، إلا أنها لم تكشف عن كامل قوتها ونفوذها الناعم والخشن كما فعلت الآن على امتداد ثمانية أشهر من الحرب.

ولولا “تسونامي” وسائل التواصل الاجتماعي التي اجتاحت العالم لظل الإنسان في الغرب وفي بعض أنحاء الشرق أسيرًا للرواية الإسرائيلية الكاذبة عبر أخطبوطها الإعلامي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

ولقد شعرت نخبة وعامة العالم بالصدمة وهم يشاهدون كبريات وكالات الأنباء ووسائل الإعلام والصحافة العالمية وهي تسقط أمامهم وتردد عن عمد الأكاذيب تحت تأثير النفوذ الصهيوني، وهو ما حدث في الولايات المتحدة وأوروبا بل وفي بعض دول الشرق الأوسط.

ولم تظهر أعراض السيطرة والنفوذ فقط على وسائل الإعلام وشبكات التلفزيون بل امتدت لتشمل رموز صناعة السينما والتلفزيون والمسرح بل والإعلان التجاري، وذلك إضافة إلى النفوذ السياسي والاقتصادي الذي شمل المؤسسات والمنظمات الدولية الكبرى.

وبدا الوحش كاملًا

رغم عشرات الكتب والدراسات التي تحدثت عن تأثير الكيان الصهيوني على صناعة القرار في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا القوية، فإن الأمر بعد حرب طوفان الأقصى قد صار مختلفًا، فلم يتخيل أحد قط أن يبدو نفوذ وسيطرة الوحش الكامن في شرايين الديمقراطية الغربية بتلك الضخامة والشراسة.

فمن كان يتخيل أن يعجز الرئيس الأمريكي وهو على مشارف الانتخابات عن إيقاف حرب أسهمت الولايات المتحدة في إمدادها وتمويلها وحمايتها أمميًّا؟

ومن كان يتخيل أن يقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يسمح بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية إذا حققت أو حاكمت أشخاصًا محميين من واشنطن؟

ونفس التغلغل والنفوذ هو من دفع مجلس النواب الأمريكي بحزبيه الجمهوري والديمقراطي إلى إقرار مشروع قانون يُلزم إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بضمان إمدادات الأسلحة دون انقطاع إلى إسرائيل ردًّا على تعليق الأخير إرسال 3500 قنبلة ثقيلة يتراوح وزن الواحدة منها من ربع طن إلى طن خشية استخدامها في رفح، ووصل الأمر إلى أن يشير نائب عن الحزب الجمهوري إلى أنه سيتقدم بطلب لعزل بايدن، واصفًا إنذاره لإسرائيل بأنه “جريمة تستوجب العزل”، كما اتهمه بإساءة استخدام السلطة.

برلمان مموَّل وجيش مسخر

والنفوذ في الولايات المتحدة يوازيه تغلغل ونفوذ آخر في أهم دول أوروبا، ففي الوقت الذي تشير فيه استطلاعات الرأي في المملكة المتحدة إلى أن أغلبية الشباب البريطاني يعتقدون أن إسرائيل لا ينبغي أن توجد في هذا الوقت، تكشف صحيفة “Declassified uk” عن القائمة الكاملة السرّية للنواب البريطانيين الذين تلقوا تمويلًا من جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، والصحيفة سبق لها أن كشفت كيف هبطت 60 طائرة حربية بريطانية في إسرائيل، وكيف قام الجيش البريطاني بـ200 مهمة تجسس فوق غزة، والتقرير الأخير يؤكد أن اللوبي الإسرائيلي يمول ربع أعضاء البرلمان البريطاني حيث يشمل 180 نائبًا من أصل 650 في البرلمان الأخير، وشمل ذلك 130 نائبًا من حزب المحافظين و41 نائبًا من حزب العمال و3 من حزب الديمقراطيين الأحرار و3 أعضاء من الحزب الاتحادي الديمقراطي الوحدوي، واثنين من النواب المستقلين ونائبًا وحيدًا من حزب الإصلاح.

وبلغ النفوذ الصهيوني داخل صناعة القرار البريطاني إلى حد موافقة المملكة المتحدة على أسلحة لإسرائيل بعد أيام من مقتل عمال الإغاثة البريطانيين بأيدي الجيش الإسرائيلي، إلا أن الدعم الرسمي البريطاني ظل هو الأقوى بعد دعم الولايات المتحدة، وهو ما دفع مارك كيرتس أحد الكُتاب البريطانيين إلى الكتابة قائلًا “يجب على المحكمة الجنائية الدولية التحقيق مع وزراء بريطانيين بتهمة التواطؤ في جرائم الحرب في غزة”.

المصدر : الجزبرة مباشر