سؤال الهدنة!

شارون (غيتي)

مر نحو شهر على مشروع الهدنة الذي طرحه الرئيس الأمريكي بايدن، وبعده قرار مجلس الأمن بتأييده، من دون أدنى تغيير في ساحات المعركة، بل إن العمليات العسكرية غدت أكثر ضراوة، والإجرام الإسرائيلي صار أشد وحشية.

سؤال الهدنة هو السؤال الذي لم تخفت نبرته منذ يوم السابع من أكتوبر/تشرين الثاني في المنطقة العربية والعالم بأسره، والمؤكد أنه سؤال مُلحٌّ ومهمٌّ وحتمي، نظرًا لفداحة الخسائر على جميع الصُّعد.

غير أن عملية وقف إطلاق النار في الحرب الراهنة هي الأكثر تعقيدًا على مدى تاريخ الصراع، نظرًا لعوامل متشابكة، منها ما هو عام يتصل بإسرائيل وحركة حماس، ومنها ما هو ذاتي يتعلق برئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، فضلًا عن تعقيدات الانتخابات الأمريكية.

إسرائيل لا تريد “فرملة” إجرامها إلا بتنفيذ شروطها غير منقوصة، وفي الصدارة منها تحرير الأسرى دون مقابل، وتأبى الالتزام بعدم استئناف القتال متى شاءت، وهو الأمر الذي عبَّر عنه نتنياهو صراحة، لدى إطلاق الرئيس الأمريكي مشروع الهدنة، الذي عرفنا فيما بعد أن بنوده طُبخت في تل أبيب، واقتصر دور سيد البيت الأبيض على تقديمها مثل النادل على موائد السياسة الدولية.

إزاء المراوغات الإسرائيلية، ترى “حماس” أن الحكومة اليمينية في تل أبيب، تنشد هدنة لالتقاط الأنفاس، حتى تلملم شتات جيشها المبعثر في الأنفاق، ومن ثم تنقض على غزة بعدوان أشد ضراوة، فلا يكبحها كابح عسكري، ولا يردعها رادع سياسي، وبخاصة حين تمتلك ورقة الأسرى، الذين يضغط أقاربهم ضغطًا متزايدًا على نتنياهو والذين معه.

والمؤكد أن رضوخ حماس للشروط الإسرائيلية سيسفر عن فقدانها الظهير الشعبي الفلسطيني، الذي سيحق له التساؤل عن مقابل التضحيات المؤلمة التي قدَّمها، وحينئذ ستكون الخسارة غير قابلة للتعويض، بالنسبة للحركة التي لا تزال تحظى بتأييد ثلثي الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفق استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أخيرًا.

رغبة إسرائيلية في تفخيخ المنطقة

إلى جوار ذلك، فإن ما يبدو من انفلات إسرائيل وطيشها يرجّح رغبتها في تفخيخ المنطقة، ودفع أطراف أخرى إلى المعركة، وتتمثل هذه الأطراف بالأساس في حزب الله اللبناني، وربما بدرجة أقل في إيران، مما سيفتح مخازن السلاح الأمريكية أكثر، تحت ذريعة محاربة “قوى الشر” بالوكالة عن واشنطن، ولعل توريط الولايات المتحدة بصورة مباشرة في الصراع هو غاية ما تتمنى، في حين تؤكد حماس أن هذا السيناريو سيكون وبالًا على جيش إسرائيل التائه في أزقة غزة الملتوية، وتحت الأرض في أنفاقها.

ثمة دوافع ذاتية فوق ذلك، فرئيس الحكومة الإسرائيلية المتهم بقضايا فساد، أُرجئ النظر قانونيًّا فيها، والمُعرَّض للمساءلة عن خطاياه المتراكمة، ومن ثم الزج به خلف القضبان، أو على أقل تقدير رميه في مزبلة التاريخ، يعرف جيدًا أن مصيره يرتهن باستمرارية الحرب، التي أصبحت مثل ساعة رملية، متى فرغ أعلاها انتهت حكايته.

ليس ذلك فحسب، فالواضح أن نتنياهو بالغ الضعف داخل ائتلافه اليميني، إذ يتلاعب به المتطرفون من أعضاء حكومته، وعلى رأسهم وزيرا المالية والأمن القومي سموتريتش وبن غفير، وكلاهما يدعو إلى إجراءات فظة، بلغت حدَّ المطالبة بإعادة احتلال قطاع غزة.

هكذا تبدو الأطراف المنخرطة في القتال، رافضة أو غير قادرة على اتخاذ قرار الهدنة، وليس سرًّا أن قبول حماس بمشروع بايدن مبدئيًّا، كان مناورة سياسية حصيفة، للضغط على تل أبيب، وإظهارها -على حقيقتها- في صورة السفّاح الذي لا يرتوي من الدماء أمام الرأي العام الدولي، الذي لم يكن في أي مرحلة ميّالًا إلى الحقوق الفلسطينية كما هو الآن.

 هل يستطيع بايدن وقف الحرب؟

إبّان اجتياح لبنان عام 1982، هدد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان رئيس الحكومة الإسرائيلية الليكودي مناحيم بيغن “عليك أن تنتظر تغيرًا قاسيًا في العلاقة معنا ما لم تلتزم بوقف إطلاق النار”، فما كان من الأخير إلا أن سحب صلاحيات وزير الدفاع آنذاك شارون، بشأن إصدار الأوامر لسلاح الطيران الإسرائيلي، ثم وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي فورًا على وقف إطلاق النار.

صحيح أن شارون مضى في اقتراف مذبحة صبرا وشاتيلا بعد ذلك، لكن الحرب انتهت في المحصلة بإرادة أمريكية، وفي ذلك يقول بيغن “ما كان بوسعي أن أغامر برفض الطلب الأمريكي”.

إن واشنطن قادرة إذن، لكن إن أرادت، والواضح أن هذه الإرادة لم تتحقق، رغم الضغوط على الرئيس بايدن، جراء تنامي التيارات المعارضة لسياساته المنحازة إلى القتلة، حتى في قواعد حزبه الديمقراطي، ورغم التبعات السلبية لذلك على فرص إعادة انتخابه، في جولة صارت على مرمى حجر، سيواجه خلالها ترمب، خصمه الجمهوري الشرس كالمصارعَين، الذي يسدد الضربات فوق وتحت الحزام بلا هوادة.

الرئيس الأمريكي بين نارين

غير أن بايدن لا يريد أن يستن بسنة ريغان، لكونه بين نارين، فالرئيس العجوز يخشى أن تؤدي ضغوطه على نتنياهو إلى انقلاب اللوبي اليهودي ضده، فيخسر أصوات مؤيدي الحرب بعد خسارته أصوات مناهضيها، وهي محنة تزداد بالنظر إلى أن ترمب يحظى بتقدير بالغ من الصهاينة، لأنه الرئيس الذي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وهو الإجراء الذي عزف عنه أسلافه جميعهم.

وهناك عامل يتعلق بمرجعية بايدن الفكرية، التي يشرحها أرون ميللر الذي عمل في الخارجية الأمريكية لسنوات طويلة “إن موقف الرئيس من إسرائيل ليس سياسيًّا، بل إن لديه التزامًا عاطفيًّا تجاه فكرة دولة إسرائيل”.

إزاء ذلك كله، هل أمام المقاومة خيارات إلا المقاومة؟

الحل هو المقاومة، ليست هذه عبارة عاطفية، أو هتافًا عنتريًّا أجوف من موروث الستينيات، وإنما تعبير موضوعي مجرَّد عن واقع حال مفروض بقوة على جميع الأطراف، بدرجات وأسباب مختلفة.

المصدر : الجزبرة مباشر