هزيمة أمريكا!

الرئيس الأمريكي جو بايدن (الفرنسية)

مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، ترتفع تكلفة الحرب، ليس على إسرائيل وحدها، بل أيضًا على الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي شريك كامل فيها.

وغالبًا لم تكن الإدارة الأمريكية تتوقع ارتفاع تكلفة الحرب على غزة بهذا الشكل على صُعُد مختلفة.

فعلى صعيد الردع والهيبة العسكرية، ارتفعت التكلفة الأمريكية، وخاصة مع العمليات العسكرية للحوثيين ضد السفن الحربية الأمريكية في البحر الأحمر، منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في إطار دعمهم المقاومة الفلسطينية في غزة.

وحسب “وول ستريت جورنال” الأمريكية، فقد أنفقت البحرية الأمريكية نحو مليار دولار على الذخائر في العملية المرتبطة بالبحر الأحمر.

ورغم التكلفة المالية الضخمة لمحاولة ردع القوات الحوثية، فقد أقرّت مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية أفريل هاينز، في شهادتها أمام الكونغرس، بأن المحاولات لم تكن كافية لردع القوات المسلحة اليمنية، واعترفت بأن تهديد القوات اليمنية سيظل نشطًا لبعض الوقت.

كيف تحافظ أمريكا على هيمنتها العالمية؟ هذا هو الهاجس المسيطر على صانع الاستراتيجية الأمريكية.

وبعد طوفان الأقصى، والتفاعلات الناتجة عن استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة بشراكة أمريكية كاملة، لعل السؤال الأكثر إلحاحًا على مستوى الداخل الأمريكي، وعلى الصعيد الدولي، هو: هل فقدت أمريكا هيبتها الدولية؟ وهل فشلت خطط الحفاظ على الهيمنة الأمريكية؟

ضعف عسكري أمريكي

في دراسة لمؤسسة “هيرتاج” البحثية الأمريكية، صادرة في يناير/كانون الثاني 2024، صنفت الدراسة الجيش الأمريكي على أنه ضعيف، وغير قادر على خوض صراعات كبرى.

وقد صنَّف مؤشر القوة العسكرية السنوي العاشر لمؤسسة “هيرتاج” جميع فروع القوات المسلحة الأمريكية، من حيث القدرة والاستعداد، ما بين ضعيف جدًّا أو ضعيف أو هامشي أو قوي أو قوي جدًّا، وذلك في تقرير يتجاوز 600 صفحة، سنذكر منه بعض الأمثلة.

جاءت القوات الجوية الأمريكية في أسفل الترتيب، إذ سجلت نتائج هامشية في القدرة والإمكانات، كما حصلت على تصنيف ضعيف في الجاهزية، وحصلت على تصنيف “ضعيف للغاية” بشكل عام.

أما البحرية الأمريكية، فقد جاءت في المرتبة التالية في أسفل التصنيف، إذ سجلت قدرة ضعيفة للغاية، وهامشية في القدرة، وضعيفة في الاستعداد، وحصلت على درجة “ضعيفة” بشكل عام.

وأشار التقرير إلى وجود أزمة تجنيد حادة، رغم الميزانية الضخمة للبنتاغون، التي بلغت عام 2024 وحده نحو 886 مليار دولار.

إضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن ثقة المواطنين الأمريكيين بالمؤسسة العسكرية وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، إذ بلغت 48%، وفقًا لاستطلاع أجراه معهد رونالد ريغان.

تحدٍّ يمني لأمريكا

في الأول من يونيو/حزيران 2024، استهدفت قوات الحوثيين اليمنية حاملة الطائرات الأمريكية “آيزنهاور” في البحر الأحمر مرتين خلال يوم واحد، وهو ما يمثل جرأة عالية، وتحديًا غير مسبوق، ونقلة نوعية في المواجهة، وعملًا استراتيجيًّا كاشفًا لتزايد الضعف العسكري الأمريكي في غرب آسيا. وقد جاء ذلك ردًّا سريعًا على الهجمات الأمريكية البريطانية على مواقع مدنية يمنية، في اليوم السابق.

تُعَد حاملة الطائرات “آيزنهاور” عنوانًا بارزًا للهيبة الأمريكية، وهي تعمل بالطاقة النووية، وتزيد تكلفتها على خمسة مليارات دولار.

وتعمل السفينة “آيزنهاور” كقاعدة جوية متنقلة، تستخدمها القوات الجوية الأمريكية لتنفيذ عملياتها الهجومية في منطقة غرب آسيا.

يمثل التحدي البحري اليمني نموذجًا لأخطر ما تواجهه أمريكا وحلفاؤها الغربيون في منطقة البحر الأحمر وبحر العرب، الذي يمكن أن يتمدد إلى المحيط الهندي ورأس الرجاء الصالح ومضيق هرمز.

ختامًا

بينما تريد الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها العالمية، فإنها تتجه نحو فقدها، وتتوالى الهزائم الأمريكية واحدة تلو الأخرى، مع كل هزيمة يتعرض لها الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ومع استمرار الحرب الصهيوأمريكية الغربية على غزة منذ طوفان الأقصى، تخسر أمريكا والغرب كل يوم، مع كل خسارة على الأرض تتعرض لها إسرائيل، التي تمثل كيانًا وظيفيًّا وذراعًا استعمارية لاستنفاد طاقات المنطقة العربية، واستمرار الهيمنة عليها.

ورغم ما حققته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية من تفوّق في القوة الصلبة والقوة الناعمة، وما امتلكته من أسباب أخرى من التفوق أعطتها قدرة إرغامية، فإنها تشهد تراجعًا وانكماشًا منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سواء على المستوى الخارجي أو المستوى الداخلي.

فعلى المستوى الخارجي، تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، كما وجَّه الانسحاب الفوضوي من أفغانستان ضربة قوية للهيبة الأمريكية، واهتزت معه ثقة كثير من الحلفاء التقليديين لأمريكا.

وجاء طوفان الأقصى، والحرب الإسرائيلية الأمريكية على غزة، وما تبع ذلك من هجمات الحوثيين على السفن الحربية الأمريكية في البحر الأحمر، ليزيد من تراجع هيبة أمريكا وحلفائها الغربيين.

وعلى المستوى الداخلي، كان الانكماش الاقتصادي وتداعيات أزمة كورونا، والانقسامات بين الجمهوريين والديمقراطيين، عوامل أخرى في طريق التراجع الأمريكي.

وقد شجع تراجع الولايات المتحدة على المستويين الداخلي والخارجي كثيرين على تحدي الهيمنة الأمريكية؛ مما دفع إلى القول بأن أمريكا تعيش مرحلة الشيخوخة، والعالم يتهيأ لنزولها عن عرش السيادة العالمية.

ويمكن القول إن العد التنازلي لهزيمة أمريكا قد بدأ، فالعديد من المؤشرات تؤكد أن الجيش الأمريكي ذهبت عنه تلك الهالة التي صُنعت على مدار عقود، وقد أصبح جيشًا لا يستطيع خوض صراع كبير، خاصة مع تفاقم العديد من الأزمات.

“من يرغب في الانتصار يجب أن يحسب التكلفة أولًا”، مقولة من كتاب (فن الحرب) للقائد الصيني صن تزو.

المصدر : الجزبرة مباشر