الناي والرصاص نهايات في أفلام عاطف الطيب

عاطف الطيب (منصات التواصل)

يهرب حسن الطالب الجامعي من البوليس السياسي الذي يطارده لتقديمه أعمالا مسرحية تنتقد السلطة في مصر، ويتخفى في إحدى قرى الصعيد تحت اسم: حسن العامل البسيط الذي يعشق العزف على الناي وسرد الأشعار التراثية بين رواد مقهى القرية. وينتقل حسن من قرية إلى أخرى حاملا نايه ومرددا أشعاره كلما اكتشف أمره البوليس حتى يستقر حسن في قرية تركب الحكومة فيها ماكينة مياه (فنطاس) لتنقية المياه، وييخطط كبار القرية لاستغلال العاملين في الفنطاس وسرقتهم، وبينهم شيخ البلد، ونائب الدائرة في مجلس الشعب، ومأمور القسم.

يتصدى حسن بمساعدة وصديقه بالقرية وجاره في السكن لهذه السرقة، فيتفق الكبار على التخلص من حسن بعد أن فشلوا في حبسه عن طريق مأمور القسم. وتنطلق رصاصات الجميع في صدر حسن الذي يسعى لإنصاف العاملين في ماكنية المياه بأجور عادلة، وعدم سرقة الكبار لموارد القرية. يسقط حسن غارقاً في دمائه ويسقط الناي من يده على الأرض، ويحاول عبد الله إنقاذه، لكنه لا يستطيع إلا إنقاذ الناي الذي كان يعزف للشجن.

كانت تلك نهاية فيلم “المزمار” الذي قدمه المخرج السينمائي عاطف الطيب وبرق في سماء السينما سريعا كالشهاب ومات في ريعان شبابه. الفيلم عن قصة شاعر العامية المصرية الفريد عبد الرحيم منصور والغريب أن منصور أيضا مات شابا (43 عاما). وكتب منصور الأشعار والحوار للفيلم مستخدما رباعيات من إبداعه، وشارك رفيق الصبان في كتابة السيناريو، أما التمثيل فكان لنور الشريف، صلاح السعدني، محسنة توفيق، وبوسي، وقد شارك نور الشريف عاطف الطيب في بطولة 9 أفلام من إجمالي عدد أفلامه البالغة 21.

البرئ

تبدو تلك النهاية متماسة مع نهاية فيلم البرئ لعاطف الطيب عن قصة وسيناريو وحوار وحيد حامد، وبطولة أحمد زكي ومحمود عبد العزيز. وأحمد زكي هو البطل الثاني المفضل لعاطف الطيب إذ قدم معه خمسة أفلام جاء منها اثنان في قائمة أفضل 100 في تاريخ السينما المصرية هما: البريء والحب فوق هضبة الهرم.

يقف أحمد سبع الليل عسكري الأمن المركزي في السجن السياسي مدافعا عن ابن قريته الطالب الجامعي صاحب النشاط السياسي ضد تعذيبه من قبل قيادات السجن. ويتعرض أحمد سبع الليل البريء لحملة تشويه يخرج منها مع اعتقال حسين صديق طفولته متهما بأنه “عدو الوطن”. ويتعرض الاثنان لموجة تعذيب بشعة تنتهي بوفاة الطالب الجامعي السياسي، وبعد معاقبة سبع الليل يعود للخدمة، يُفاجئ سبع الليل بدفعة جديدة من المسجونين السياسيين فينفجر ويطلق رصاصات رشاشه على قادة السجن السياسي ويقتل الجميع، لكن أحد زملائه يصوب نحوه ليقتله ويسقط ناي المجند البريء على الأرض وينتهي فيلم عاطف الطيب، رصاص وناي.

14 فيلما سينمائيا من أجمال أفلام عاطف الطيب تنتهي بمقتل البطل أو الحالم من أبطال أفلامه. بدأ عاطف بخمسة أفلام أهمها: سواق الأتوبيس أحد أهم أفلام السينما المصرية، ونهاية الفيلم تكون بخسارة حسن (نور الشريف) ورشة والده بسبب سرقة أحد صبيانه، ثم وفاة الوالد عمود الأسرة، وخسارة التاكسي الذي يعمل عليه، ثم يضرب حسن أحد اللصوص على كوبري أكتوبر بوسط القاهرة ويصيح صيحته النهائية في الفيلم والتي صارت أيقونة شعبية.

الأفلام الخمسة الأولي تأتي نهايتها قريبة الشبه بفيلم سواق الأتوبيس والزمار. أما الأفلام الثلاثة الأخرى فهي: الغيرة القاتلة التي يقتل فيها البطل نتيجة غيرة صديقه، والتخشيبة الذي تقتل فيه البطلة (نبيلة عبيد) المعتدي عليها، والحب فوق هضبة الهرم الذي يدخل فيه البطل السجن، ثم استمرت أعمال الطيب على هذا المنوال، حتى فيلمه كشف المستور.

كشف المستور من إنتاج 1994 تأليف وحيد حامد والبطولة لنبيلة عبيد، وفاروق الفيشاوي، ويوسف شعبان، ويحكي عن استغلال الفتيات في أعمال منافية للأداب في فترة الستينات، ورغم أنه معروف عن عاطف انتمائه للفكرة الناصرية إلا أنه قدم واحدا من أهم الأفلام التي تناولت تلك الممارسات، وفيه يعود أحد ضابط جهاز الأمن ليطلب من إحدهن التعاون معه من أجل الحصول على معلومات من أحد المسؤولين في دولة عربية.

المرأة كانت قد حصلت على مكافأة من الجهاز، وقيل لها بالكذب إن الشرائط الخاصة بها أُحرقت، وجاء إليها يطلب منها العودة للعمل، ولكنها ترفض وتحاول الوصول إلى زميلاتها السابقات، والضابط الذي كانت تعمل معه. وفي الرحلة نكتشف التغيرات التي حصلت للجميع. أما الضابط الذي كانت تعمل معه فقد اعتزل الحياة ويعيش في إحدى القرى مكتفيا بتأنيب الضمير عما فعله. وبعد رحلة المرأة يتفق الجميع -وبينهم زميلاتها- على التخلص منها، وتسقط أمام منزلها قتيلة ومن يدها تسقط زجاجة مملؤة بالعسل كانت قد حصلت عليها من مزرعة الضابط السابق الذي اعتزل الحياة.

هل يمكن تفسير ميل الطيب لتلك النهايات في أغلب أفلامه خاصة المرحلة الأولى من حياته السينمائية؟ فالملاحظة الأولى: عدد هذه الأفلام التي غلب عليها في الفترة الأولى نهاية أحلام الحالمين بحياة نقية عادلة، ثم اغتيال أصحاب تلك الأحلام. فهل كان الطيب في منتصف الثمانينات من القرن العشرين يرى أنه لا أمل لهؤلاء. عاطف الذي مات شابا عمره 48 عاما كان يرى مصيره بين هؤلاء الحالمين هو الموت أو القتل!

هل تغيرت نهايات أفلام عاطف الطيب بعد تلك الأعمال؟ في الأسبوع القادم نستكمل رحلة النهايات في أعمال مخرج صاحب بصمة في تاريخ سينما مصر.

المصدر : الجزيرة مباشر