حفيدات “زاباتا”.. يكسرن هيمنة الرجال على الرئاسة المكسيكية

رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تحتفل بعد نتائج الانتخابات (الفرنسية)

“زاباتا لم يمت، إنه هو ذلك الشخص الذي تأتي به رياح قصب السكر فتتغنى بقدومه، الفارس الغريب الذي يطوف بحصانه في حقولنا في كل صيف من كل سنة، يحمل معولا بيده اليمنى وبندقية باليسرى، ليطمئن على قصب السكر، هل يحلي كؤوس شاي الأهالي الذين لم يخذلوه؟”.. هي كلمات لأغنية محلية يتغنى بها سكان أناكويلكو (مسقط رأس الزعيم التاريخي للمكسيك).

هذا الزعيم الذي تغنت به السينما العالمية في شخص “مارلون بروندو” في فيلم «Viva Zapata»، الذي رفع السلاح في بدايات القرن الماضي في وجه “سارقي أراضي المزارعين”، ولم يقبل بأي مصالحة معهم.

هذه الأيام عاد طيف ما يمثله “إيميليانو زاباتا” مرة أخرى في المكسيك، بعد أن اعتلت امرأة يسارية -ذات أصول يهودية، ترتدي الكوفية الفلسطينية، وتدافع عن قيم “الإنسانية المكسيكية”، وترفض الهيمنة الأمريكية- سدة الحكم لأول مرة في تاريخ البلاد.

فازت كلاوديا شينباوم (61 عاما) التي تخاطب المكسيكيات اللواتي ينددن بهيمنة مجتمع ذكوري، قائلة “إنه زمن النساء وزمن التحول، ذلك يعني العيش من دون خوف والتحرر من العنف”.

المكسيكيون يطلقون عليها ببساطة اسم “كلوديا”، وهي أم لطفلين، وتحمل درجة الدكتوراه في الهندسة البيئية، وحسب مراقبين، فهي تستكمل ثورة زاباتا ضد الظلم الاجتماعي والاستعمار، لكنها تضيف إليها هدفا آخر هو تحرير النساء.

وتُمكّن قراءة متأنية لتاريخ الثورة المكسيكية التي اندلعت عام 1910 من الاقتراب من ملامح مجتمع زراعي يشبه كثيرا من المجتمعات العربية، ويشبه كثيرا من ملامح تاريخنا، رغم وجود فوارق وتقاطعات، مجتمع عانى أيضا كثيرا من الهيمنة الأمريكية.

ولذا لم يكن غريبا أن ينتفض المكسيكيون من أجل غزة، حيث حاصر متظاهرون غاضبون في أعقاب محرقة الخيام برفح، الأسبوع الماضي، السفارة الإسرائيلية في العاصمة مكسيكو سيتي، وأضرموا النار في محيطها، رافعين شعار “حرقا بحرق”.

ونهاية الشهر الماضي، طالبت حكومة حزب “مورينا” اليساري الحاكم، الذي تنتمي إليه الرئيسة الجديدة، بالانضمام إلى الدعوى التي أقامتها دولة جنوب إفريقيا ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي في محكمة العدل الدولية.

زمن النساء قادم

غير أن المرأة في المكسيك لم تتمتع بحق الاقتراع العام إلا في عام 1953، أي بعد مرور 33 عاما على حصول المرأة على هذا الحق في الجارة الأمريكية، لكن المكسيك تحظى اليوم بأول امرأة زعيمة قبل الولايات المتحدة.

وتشير تارا جون من شبكة “سي إن إن” إلى أن انتخاب المكسيك أول امرأة رئيسة للبلاد “إنجاز رائع في بلد معروف بثقافته الأبوية وارتفاع معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تُقتل نحو 10 نساء يوميا”.

وتقول مؤسسة الجمعية التعاونية الزراعية جيزيلا أييسكاس “الأمر يتعلق بالاعتراف بتلك اللامساواة البنيوية، وهي أن فرص حصول النساء على الأراضي أقل بكثير من الرجال”.

وتضيف “على الرغم من أن النساء كُنَّ دائما مشاركات في إنتاج القهوة، فإننا كنا نُغيَّب ونُحرَم من السلطة للتأثير على التوجه العام أو الإدارة اليومية للإنتاج”.

وتقول شينباوم عن المشكلات المتأصلة المتعلقة بالذكورة “التغيرات الثقافية العميقة لا تحدث بين عشية وضحاها، لكن الأمور تتحرك إلى الأمام ببطء”، وتضيف “المكسيك كانت تُعرف بأنها بلاد تتحيز للرجال طوال سنوات كثيرة، لكن المكسيكيين الآن يحكمهم العديد من النساء، وهذا يُعَد تغييرا”، وهي تشير بذلك إلى موضوع المساواة بين الجنسين في الحكومة وإلى العدد الكبير من النساء اللواتي يشغلن منصب حاكم ولاية.

لكن الرئيسة الجديدة لثاني أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، لم تقع أسيرة خطاب يركز على النوع الاجتماعي، إذ ربطت بين اضطهاد النساء ومعاناة جماهير المكسيك، وأدركت أن التحرر من الاضطهاد والخوف والفقر يتطلب حشد صفوف النساء والرجال -على حد سواء- ضد سياسات الليبرالية المتوحشة.

وطوال حملتها ظلت رسالتها واحدة لم تتغير، فهي تقول إنها إذا انتُخبت فستواصل العملية الاجتماعية والسياسية التي أطلقها مُعلمها الرئيس أندرس مانويل لوبيز أوبرادور.

وكان لوبيز أوبرادو -المعروف شعبيا باسم (أملو) من الأحرف الأولى لاسمه- قد أدخل سلسلة من إجراءات التنمية الاجتماعية الرامية إلى التخفيف من حدة الفقر ومن بينها المنح الطلابية والتقاعد الحكومي الشامل، ونجح البرنامج في انتشال ما يُقدَّر بنحو خمسة ملايين شخص من الفقر في جميع أنحاء البلاد.

وأوضحت أن الرئيس لوبيز أوبرادور وضع الأساسات وقام ببناء الطابق الأول من المشروع “والآن، سنبني على التغييرات التي أجراها في البلاد”.

وقالت لـ”بي بي سي” في مقابلة بولاية فيراكروز الشرقية إن “جوهر هذا التحول هو فصل القوة الاقتصادية عن السلطة السياسية”، مشددة على أن “القوة الاقتصادية لها طريقها، ولكن الحكومة يجب أن تتوجه نحو الفقراء في المكسيك.”

وأضافت “هذا يعني المزيد من الحقوق، ودولة الرفاهية والتعليم والصحة والحصول على السكن، وأن الأجر المعيشي هو حق وليس امتيازا”، لافتة إلى أن “هذا هو الفرق بين النيوليبرالية ونموذجنا، الذي نسميه الإنسانية المكسيكية”.

ابنة جيل احتجاجات 1968

أول رئيسة للمكسيك، وُلدت في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران عام 1962 في مدينة مكسيكو، لأبوين من المناضلين اليساريين ورواد العمل الأكاديمي.

كان والدها كارلوس شينباوم رجل أعمال وكيميائيا، وكان والداه من اليهود الأشكناز، وقدِما إلى المكسيك من ليتوانيا في عشرينيات القرن العشرين، وغالبا ما تعرّف شينباوم نفسها قائلة “أنا ابنة عام 1968″، في إشارة إلى حركة الاحتجاج العالمية التي كان والداها جزءا منها.

وفي يناير/كانون الثاني عام 1987، برز دورها في الحركة الطلابية، وبالتحديد عندما أعلن طلبة جامعة نانم، كبرى الجامعات الحكومية في المكسيك، الإضراب احتجاجا على خطط فرض رسوم دراسية.

ونادى قادة الاحتجاج على الحشد “من سيعلق علم الإضراب في مكتب العميد؟”.

فتقدمت طالبة فيزياء (24 عاما) إلى الأمام قائلة “أنا!”

وتقول شينباوم عن تلك اللحظة في احتجاج الطلاب “لقد كنت دائما على هذا النحو، مغامِرة للغاية. لكنني لم أعد كذلك حاليا. لقد أصبحت أتحمل المزيد من المسؤوليات”.

وقد كانت الثمانينيات كذلك فترة محورية في حياتها، إذ بدأت فضائح الفساد في تشويه الطبقة السياسية القديمة، وبدأ تطبيق النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، وبمقتضاه تغول القطاع الخاص، وغاب دور الدولة، وكان هذا بالنسبة لشينباوم بمنزلة عدم مساواة وإفقار لشعب المكسيك.

وفي عام 2015، دخلت دائرة الضوء السياسية، بعد أن ترشحت وفازت بمنصب عمدة تلالبان، أكبر أحياء مدينة مكسيكو، المكان الذي نشأت فيه شينباوم.

وبعد ثلاث سنوات، عندما أصبح (أملو) رئيسا للمكسيك، أصبحت شينباوم عمدة مدينة مكسيكو، الأمر الذي سرعان ما جعلها واحدة من المتنافسين على خلافته.

تحديات ومعارك

لكن كسر السقف الزجاجي في المكسيك، وفق تقرير “سي إن إن”، وتولي شينباوم رئاسة الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 130 مليون نسمة، سوف تطغى عليه أيضا المشكلات المتعددة الأوجه المتمثلة في عنف العصابات، واستهداف الساسة، والجريمة المتفشية، والحدود الملتهبة مع واشنطن، بسبب تدفق المهاجرين وتهريب المخدرات، إلى جانب مواصلة محاربة الفقر الذي تصل معدلاته إلى 36%، في سياق ميزانية آخذة في التدهور.

ويشير مراقبون إلى أنها ستواجه معضلة في كيفية التغلب على معدلات الفقر، مع حرصها على الدخول في مواجهة مع الشركات الكبرى.

وتعهدت شينباوم، بعد أن فاز حزبها بالأغلبية البرلمانية أيضا، بمواصلة السياسة الحالية القائمة على مكافحة أسباب العنف بدلا من القمع الشامل، مع محاربة سياسة “الإفلات من العقاب”.

ومن منطلق إدراكها حقيقة أن الكبرياء القومي عامل مهم ومؤثر في المكسيك، فقد أكدت في مناظرة رئاسية على أن حكومتها لن تسمح للولايات المتحدة بإخضاعها أو تخويفها، وخاصة فيما يتعلق بالهجرة، مؤكدة “نعم للتنسيق.. لا للتبعية”.

بينما يتوقع كثيرون أن تبادر بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وتقطع علاقاتها مع إسرائيل على غرار دول يسارية أخرى في أمريكا اللاتينية، وأن تتخلى عن محاولة مسك العصا من المنتصف، كما فعل سلفها.

وتقول ألاركون صديقة الرئيسة شينباوم “سألتها مرتين في حياتي: لماذا تضع نفسها تحت رحمة هذا الشيء الصعب المتمثل في السياسة؟ وفي كلتا الحالتين، قالت: لأنه الشيء الصحيح الذي يجب القيام به”.

المصدر : الجزيرة مباشر