زلزال انتخابي في جنوب إفريقيا.. ما علاقة فلسطين؟

رئيس المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم ورئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوسا (الثاني من اليسار) في حفل إعلان نتائج الانتخابات الرسمية (غيتي)

زلزال سياسي بمعنى الكلمة ضرب جنوب إفريقيا، كان مركزه لحظة إعلان نتائج الانتخابات النيابية التي جرت يوم 29 مايو/أيار 2024، والتي كشفت فقدان حزب المؤتمر الوطني الحاكم أغلبيته النيابية منذ 30 عاما، بحصوله على 40% فقط من الأصوات بعد أن كان 57.5% في آخر انتخابات عام 2019، وضمن مظاهر هذا الزلزال تقدم حزب “رمح الأمة “المنشق عن المؤتمر الوطني، والذي أُسّس العام الماضي، ويرأسه الرئيس السابق، وأحد قادة التحرر جاكوب زوما حاصدا 14.6%، بينما حصد حزب المعارضة الرئيسي الممثل للبيض، والداعم للكيان الصهيوني، وهو التحالف الديمقراطي 22% من ألأصوات.

وقوع هذا الزلزال السياسي وسط اشتباك استراتيجي لجنوب إفريقيا مع قضايا عالمية كبرى هي من قضايا التحرر التي تَعُدها جزءا من إرثها التاريخي ومسؤوليتها السياسية والأخلاقية، مثل القضية الفلسطينية، ورفضها للعدوان الإسرائيلي على غزة، ومواجهة الهيمنة الغربية خصوصا في مؤسسات الأمم المتحدة، فتح الباب لتفسير تلك النتائج بوجود أصابع أمريكية صهيونية في صناعتها عقابا لجنوب إفريقيا على مواقفها تلك.

الفساد والبطالة والفقر

لا يمكن نفي وجود ذلك الدور الأمريكي الصهيوني في دعم بعض القوى أو تشويه قوى أخرى عبر أذرع إعلامية وسياسية وثقافية مرتبطة بالغرب الاستعماري، ولكن هذا جزء بسيط من الحقيقة، بينما أغلب الحقيقة يعود إلى اعتبارات داخلية لا علاقة لها بالموقف من حرب غزة، أو مواجهة الهيمنة الأمريكية والأوروبية، نتحدث هنا تحديدا عن قضايا داخلية أكثر تأثيرا على الناخب، منها استشراء الفساد إلى درجات قياسية، والتي كانت سببا من قبل في عزل الرئيس زوما (حكم بين 2009 و2018)، والغريب أنه سجل انتصارا في أول ظهور انتخابي له في ظل دعاية مكثفة ضد الفساد حرمت الحزب الحاكم من أغلبيته!!

في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الأونكتاد، حصلت جنوب إفريقيا على 43 درجة العام الماضي، حيث تنتشر قصص الفساد بين كبار المسؤولين الذين تربعوا على حكم البلاد منذ انتهاء الفصل العنصري عام 1994، فالرئيس السابق زوما كما ذكرنا خرج من السلطة بتهمة فساد، بعد تحقيق استمر 3 سنوات، والرئيس الحالي رامافوزا متهم بفضيحة فساد باسم “فارمغيت”، وهي إلى جانب فضائح فساد أخرى كانت سببا من أسباب خسارة الحزب الحاكم، وهناك بطبيعة الحال أسباب أخرى مثل البطالة التي تبلغ 33%، والفقر الذي يضرب 55% من سكان جنوب إفريقيا، أضف إلى ذلك أزمة انقطاع الكهرباء لمدد طويلة تصل إلى 12 ساعة يوميا، وهو ما تسبب في خسائر بالمليارات للاقتصاد الوطني.

سلطة شاخت في موقعها

هي “سلطة شاخت في مواقعها” بتعبير الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل، وكان يقصد نظام مبارك في مصر، فحزب المؤتمر الوطني الذي قاد النضال الوطني التحرري، والذي نجح في القضاء على الفصل العنصري، وأعاد السلطة إلى الأغلبية السوداء، حكم بما فيه الكفاية، وبما فيه التقدير اللازم لدوره الوطني، وكان من اللازم تجديد الحياة السياسية خاصة أن نحو 40% من مواطني جنوب إفريقيا وُلدوا وترعرعوا في ظل هذا الحزب، كما أن بقاء الحزب فترة طويلة أدخله في مرحلة شيخوخة سياسية، ويُتوقع أن تدفعه النتيجة المؤلمة الحالية إلى تجديد نفسه.

حزب المؤتمر الذي فقد أغلبيته بعد 30 عاما من السلطة المنفردة ليس هو الوحيد الذي تعرّض لهذا الموقف في إفريقيا، فهناك العديد من أحزاب وحركات التحرر التي قادت النضال الوطني، وحققت الاستقلال والحرية لبلدانها فقدت أغلبيتها أيضا بعد فترات طويلة في الحكم، كما حدث لحزب سوابو في ناميبيا، وحزب زانو “الجبهة الوطنية” في زيمبابوي، وحزب كانو الذي حكم 40 عاما في كينيا.

دعم مستمر لفلسطين

رغم فقدانه الأغلبية فإن حزب المؤتمر الوطني يظل هو المتصدر للنتائج، ولكنه سيبحث بالتأكيد عن تحالف سياسي خلال أسبوعين، يوفر له أغلبية مريحة في البرلمان تمكنه من تمرير ما يريد من تشريعات. ورغم التلاسن الذي بلغ مداه في الانتخابات الأخيرة مع حزب “رمح الأمة” بزعامة جاكوب زوما، فإن هذا الأخير يظل هو الأقرب سياسيا وتاريخيا إلى المؤتمر الوطني، فهما من نبع واحد، جاكوب زوما هو رفيق مانديلا والمفاوض باسمه في معركة الفصل العنصري، وكذلك الحال بالنسبة للرئيس الحالي رامافوزا فهو الابن المفضل لمانديلا، غير أن المشكلة أمام التحالف المرتقب هي اشتراط زوما استقالة رامافوزا، وهو الشرط الذي يرفضه حتى الآن قادة حزب المؤتمر الذين يَعُدون رئيسهم خطا أحمر، لكن إكراهات السياسة قد تجبرهم في نهاية المطاف على قبول هذا الشرط، خاصة إذا بادر رامافوزا بتقديم استقالته من تلقاء نفسه استشعارا للحرج، أو استشعارا للمسؤولية عن نتيجة الانتخابات، ومع ذلك يبقى من حق حزب المؤتمر الوطني أن يشكل حكومة أقلية منفردا، لكنها ستكون حكومة ضعيفة وستحتاج دوما إلى دعم أحزاب أخرى في البرلمان لتمرير بعض التشريعات.

دعم القضية الفلسطينية في جنوب إفريقيا هو أحد الثوابت الوطنية التي لا خلاف عليها بين غالبية القوى السياسية والمجتمعية ربما باستثناء حزب البيض (التحالف الديمقراطي)، وما قدمته جنوب إفريقيا من دعم للقضية وأحدث مظاهره الدعوى المرفوعة منها أمام محكمة العدل الدولية وحتى الجنائية الدولية لن يتوقف، كما أن مواجهة جنوب إفريقيا للهيمنة الغربية على السياسة الدولية وخاصة في الأمم المتحدة ومؤسساتها، لن تتوقف باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من معركتها التاريخية ضد الاستعمار والتمييز العنصري، ولن تتوقف جنوب إفريقيا عن المطالبة بمقعد دائم في مجلس الأمن ممثلا لإفريقيا، حتى لو كان ذلك بالتناوب مع دول إفريقية أخرى.

المصدر : الجزيرة مباشر