اعتراف أمريكي بالفشل الإسرائيلي

شيطان نتنياهو يكمن في التفاصيل

الرئيس الأمريكي جو بايدن (رويترز)

إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن “خطته” المطروحة لوقف الحرب في غزة بأنها “مقترح إسرائيلي” بالأساس، لم يمنع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، من إنكار أن تكون الخطة هي ذاتها المقترح الإسرائيلي. “خطة بايدن”، لا تخلو من الدهاء والمراوغة والخداع، بل والألغام التي يمكن أن تنسفها، حال استنفاد أغراضها باستعادة “دولة الاحتلال” لأسراها المدنيين، بينما يمكن التخلي عن الجنود إذا كان المقابل غير مناسب للكيان.

سراب النصر المُطلق

تقارير إعلامية عبرية، اتهمت “حركة حماس”، بعرقلة خطة بايدن للسلام.. بما دفع القيادي بالحركة سامي أبو زهري، إلى التنبيه بأن حماس ليست هي المُعرقل للصفقة.. بينما صرح القيادي الحمساوي أسامة حمدان، بأن الرد الإسرائيلي لا يتفق مع مبادئ خطة بايدن. “حمدان”، أعاد التذكير بموافقة الحركة في الشهر الماضي، على مشروع اتفاق مقدم من الوسطاء (مصر، وقطر)، بتوافق أمريكي إسرائيلي.. إلا أن دولة الاحتلال تنصلت منه، وأن حماس تتمسك به، بينما لم بعلن “نتنياهو”، موافقة حكومته حتى الآن. كان- ولا يزال- عند موقفه الرافض لوقف دائم لإطلاق النار، متشبثا بـ “سراب” تحقيق النصر المطلق على حماس، وتفكيك قدراتها العسكرية، وإبعادها عن حُكم القطاع، وتحرير الأسرى، رغم أن الفشل يلاحق جيشه، دون تحقيق أي هدف طوال الحرب (ثمانية أشهر).

تجميل الصورة أخلاقيا

تتلخص الخطة التي أعلنها بايدن مساء الجمعة الماضي لوقف الحرب في مشروع اتفاق يتم على “ثلاث مراحل”. الأولى: (ستة اسابيع) تشمل وقفا للقتال، وإفراج حماس عن الأسرى المدنيين لديها (الأحياء، والأموات) مقابل إطلاق مئات من الأسرى الفلسطينيين، وانسحاب جيش الاحتلال من المناطق المأهولة سكنيا، وعودة النازحين، وتدفق المعونات. الثانية: يجرى خلالها إطلاق حماس (والفصائل الأخرى)، لباقي الإسرائيليين بمن فيهم الجنود، والتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب الجيش من القطاع. المرحلة الثالثة: تشير إلى إعادة إعمار القطاع. وفيما يختص بالمعونات، فالولايات المتحدة تنادي بتيسير تدفقها منذ البداية لتجميل صورتها “أخلاقيا” أمام العالم، دون إرادة فعلية على أرض الواقع، لا سيما وأن جيش الاحتلال، يُحكم سيطرته على المعابر إلى قطاع غزة، بما فيها “معبر رفح”، الذي لم يتطرق إليه بايدن. أما “وعود الإعمار”، فالحروب السابقة على القطاع، كان يتلوها دائما مثل هذه الوعود.. لكن أكثرها لم ير النور.

 اعتراف أمريكي بالفشل الإسرائيلي

تشمل “خطة بايدن” نقاطا إيجابية، الأولى: أن الولايات المتحدة الأمريكية تحدثت للمرة الأولى عن وقف مُستدام لإطلاق النار، وليس مجرد “هُدنة مؤقتة”. فمنذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثمانية أشهر اعتاد بايدن، ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، وغيرهما، على الرفض التام لوقف الحرب، واستخدمت واشنطن لـ “حق الفيتو”، مرات عديدة لعرقة إصدار مجلس الأمن الدولي قرارا بوقف القتال في غزة. الثانية: إشارة بايدن إلى إطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين، فيما كانت أحاديث الأميركان جميعا في السابق، تنصب على “المحتجزين” لدى حماس. الثالثة، أن إعلان الخطة بحد ذاته- بغض النظر عن فرص النجاح من عدمه، يعني اعترافا أمريكيا، بالفشل الإسرائيلي، في إنجاز أهداف الحرب على قطاع غزة.. من ثم، فهو، بمفهوم المخالفة يُعد إقرارا أمريكيا بانتصار المقاومة الفلسطينية. الرابعة، عودة النازحين إلى مساكنهم شمالي القطاع.

خديعة أوسلو

هناك حكمة مُهمة، لا تخلو من المصداقية، يتم استدعاؤها في المفاوضات المتعلقة بالصراعات.. الحكمة تقول: “إن الشيطان يكُمن في التفاصيل”. في خطة بايدن وأمثالها، توجب هذه الحكمة على “الطرف الفلسطيني”، الانتباه لمدلولات المفردات المطاطة، والتفاصيل الصغيرة، ومراميها، وأغراضها. هذا التحوط للتفاصيل ضروري، كي لا يُكتشف بعد فوات الأوان، أنه انقاد وراء “ظاهر” الخطة‘ الذي يبدو براقا وملبيًا لطموحات المقاومة وأهدافها، بما يقود إلى ضياع مكتسباتها التي أنجزها أبطالها البواسل في الميدان. يقودنا هذا، إلى “ألغام خطة بايدن”، التي يسكن فيها الشيطان، فالمرحلة الثانية، لا تتناول مدى زمنيا مُحددا، للاتفاق على الوقف الدائم لإطلاق النار.. تتحدث عن “مفاوضات بلا نهاية محددة، أو سقف زمني.. مما يتيح لنتنياهو اختلاق الذرائع، لإفشال المفاوضات، واستئناف الحرب، بعد استعادة أسراه.

وبما يعيد إلى الأذهان خديعة اتفاق أوسلو1 (1993)، وأوسلو 2 (1995)، التي كان مفترضا، أن يفضي إلى إقامة “دولة فلسطينية” من خلال التفاوض، وهو مالم يحدث حتى الآن.. كما أن الخطة لم تحدد المناطق التي سينسحب إليها جيش الاحتلال بما مفاده أنه ليس انسحابا، بل إعادة انتشار للقوات داخل القطاع. هذا بخلاف التحديد التام لمواصفات الأسرى لدى المقاومة الذين يتعين إطلاقهم خلال مراحل الخطة، دون بيان للشروط المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

معبر رفح ومحور فيلادلفيا

لم تشر “خطة بايدن” الساعية أصلا إلى إنقاذ جيش الاحتلال، من مستنقع غزة، إلى انسحاب الجيش من معبر رفح، ومحور فيلادلفيا، التي احتلتهما إسرائيل مؤخرا، خرقا لاتفاقية كامب ديفيد للسلام مع مصر (1979).. رغم رفض الحكومة المصرية لوجود قوات الاحتلال في المعبر والمحور. “بايدن”، المشكوك في إصابته بنوع من فقدان التركيز أحيانا، شدد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من أي تهديد أمني، وأن هناك اتفاقا على استبعاد حماس من السيطرة على القطاع بعد الحرب.
لكن مما يدعو للاطمئنان هو قدرة حماس (والمقاومة عموما)، الفائقة على الصمود أمام الضغوط التي تتعرض لها دوليا، وكذلك الوعي التام بدروس الماضي في حالات التفاوض. حركة حماس من خلال صراعها مع جيش الاحتلال، وجولات التفاوض السابقة، تدرك القدرات الإسرائيلية الهائلة والتاريخية على المراوغة، ودس المُفردات المطاطة، للإفلات من أي التزامات، والمماطلة لاستمرار التفاوض إلى ما لا نهاية.. وتعرف تماما، الإفلات من “شيطان نتنياهو”، الأكثر تضليلا، ومراوغة.

المجد والنصر للشعب الفلسطيني المقاوم.

 

المصدر : الجزيرة مباشر