حين تنتهي الحرب.. متى يعود الحق إلى أصحابه؟

وزير شؤون القدس والتراث الإسرائيلي، مئير بوروش (يسار) بجوار نتنياهو خلال اجتماع لمجلس الوزراء عقد في متحف أراضي الكتاب المقدس بالقدس (الفرنسية)

(1) علاج العرض لا المرض

يوم الجمعة الماضي أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن مقترح إسرائيلي يتكون من 3 مراحل لوقف الحرب على غزة، وما أن تم الإعلان عن ذلك المقترح حتى توالت التصريحات من جانب عدد من قادة الغرب مشيدة بالمقترح مطالبة إسرائيل وحماس بالاستجابة له واغتنام الفرصة المتاحة، كما رحب به الأمين العام للأمم المتحدة، وطالب عدد من الدول العربية المعنية بالمفاوضات بالنظر إلى المقترح بإيجابية.

كان تعقيب حماس أنها تنظر بإيجابية إلى المقترح وستدرسه مع شركائها، في حين كان الرد الرسمي الإسرائيلي حذرا، إذ تمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بما سمّاه أهداف الحرب المعلن عنها، وردد نفس العبارات السابقة بأنه لا وقف لإطلاق النار من دون القضاء على حماس وعودة الرهائن، ثم أعلن عن موافقته على المرحلة الأولى من المقترح ومدتها 6 أسابيع ويتم فيها الإفراج عن عدد من الرهائن، على أن يتم استئناف القتال بعدها، وهو يحاول بذلك إرضاء اليمين المتطرف المشارك معه في الحكومة والمتمثل في الوزيرين بن غفير وسموتريتش اللذين انتقدا الخطة التي قدمها الرئيس الأميركي وهددا بإسقاط الحكومة في حال وافقت على العرض الاستسلامي من وجهة نظرهم.

الرد الإسرائيلي كان متوقعا نظرا لانقسام الجبهة الداخلية فيما يخص صفقة الرهائن، في حين تضغط عائلات الرهائن على الحكومة للقبول بصفقة تنهي معاناتهم وتعيد لهم ذويهم سواء أحياءً أو أمواتًا، وهناك في حكومة الحرب من يجد أن الأهم القضاء على حماس على اعتبار أنها خطر وجودي على إسرائيل ثم تأتي مسألة الرهائن هدفًا ثانويًّا. ونضيف إلى ذلك أسلوب إسرائيل في التفاوض، فهي تبدأ بالرفض ورفع سقف طلباتها حتى تنتهي المفاوضات بما خططت له كاملا غير منقوص. المقترح الأمريكي الإسرائيلي ببساطة يحاول أن يعيد غزة إلى ما كانت عليه قبل 7 أكتوبر 2023، ولكن من دون حماس، ولم يتطرق إلى حل الدولتين أو انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ورفع الحصار عن غزة.

المقترح يتعامل مع العرض لا المرض، فهو يتعامل مع حرب غزة على اعتبار أن نهايتها ستعيد الاستقرار إلى المنطقة وستمكن إسرائيل من الحصول على المزيد من المزايا.

المقترح يصبّ في صالح إسرائيل وإنقاذها من فخّ حرب تغرق فيها دون الوصول إلى أيّ انتصار حقيقي بل تؤذي سمعتها عالميا، فهي تبدو دولة عنصرية بجيش عاجز عن الحسم وتحقيق أهدافه.

المقترح الأمريكي لم يلتفت إلى طموحات الفلسطينيين في دولة مستقلة على أرضهم ينعمون فيها بالحرية والكرامة وهي الأسباب التي أدت إلى عملية طوفان الأقصى. إنه مقترح واقعي وعادل لإسرائيل فحسب.

(2) ما هي أهداف حماس؟

نعرف ما هي أهداف إسرائيل من الحرب، فقد تم الإعلان عنها أكثر من مرة بغض النظر عن تحقيق إسرائيل لهذه الأهداف، لكن حماس لم تعلن بصورة واضحة ومحددة عن أهداف الحرب التي تسعى لتحقيقها حتى يمكن أن نقيس عليها لنعرف هل نجحت حماس في مسعاها أم لا؟

عملية طوفان الأقصى كانت صرخة ضد الظلم الواقع على الفلسطينيين في القطاع المحاصر وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولفتت أنظار العالم إلى الظلم الواقع على الفلسطينيين من احتلال عنصري غاشم، وجعلت القضية الفلسطينية تتصدر المشهد العالمي، وأدت إلى اعتراف المزيد من الدول الغربية بالدولة الفلسطينية. ولأول مرة تفقد إسرائيل التعاطف الغربي الشعبي، بل أصبحت تعيش عزلة دولية وتلاحق من قبل المنظمات الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، وهي كلها نقاط إيجابية، لكن ماذا بعد؟

وكيف يمكن لحماس البناء على هذا التعاطف الدولي والصحوة العالمية؟ وقف إطلاق نار دائم وانسحاب قوات الاحتلال من غزة وعودة النازحين إلى منازلهم والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والبدء في إعمار غزة، كانت مطالب أساسية لحماس في جولات المفاوضات السابقة، والمقترح الأمريكي يستجيب لهذه المطالب والرئيس الأمريكي بنفسه ضامن لالتزام إسرائيل بهذه البنود، في حين سيكون الوسيط المصري والقطري ضامنين لالتزام حماس بها.

ولكن المقترح أيضا يتبنى رؤية خروج حماس من غزة كسلطة حاكمة في اليوم التالي لانتهاء الحرب، كما أن المقترح لا يتحدث عن فك الحصار عن غزة ولا حل الدولتين، وهي بالتأكيد أهداف مشروعة لأي فصيل مقاومة في الأراضي المحتلة.

(3) العالم مهيأ لحل القضية الفلسطينية

لم يضع الإسرائيليون خطة لإعادة بناء وحكم غزة بعد انتهاء الحرب، ولم يقوموا بواجبهم وهو حماية المدنيين الأبرياء في رفح، وفشلوا في السيطرة على شمال غزة بعد تطهيره من عناصر حماس كما ادعوا، بل إن حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى عادت إلى الظهور أقوى وأكثر شراسة وحنكة مما كانت.

الوحشية التي يمارسها جيش الاحتلال مع الفلسطينيين في غزة أظهرته على حقيقته، وقدمت للعالم المحنة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال الصهيوني على مدى عقود.

الفرصة سانحة الآن للتفاوض حول حل الدولتين وربما لا تتكرر مرة أخرى، فلقد أثبتت عملية طوفان الأقصى أن الغضب الفلسطيني لن يموت ما دام الشعب الفلسطيني يعيش منقوص الحقوق والكرامة تحت حكم دولة الاحتلال، والاستقرار في المنطقة لن يتحقق بانتهاء الحرب في غزة ولكن بمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، وفصائل محور المقاومة الموالية لإيران لن تجد لها هدفا أو وظيفة في اليوم التالي لحلّ القضية الفلسطينية حلًّا دائمًا وعادلًا. الولايات المتحدة الأمريكية تعي تماما التغيرات في النظام الدولي ومن مصلحتها أن تؤمن لنفسها مكانتها المتميزة في الشرق الأوسط والعالم العربي بالضغط على حكومة نتنياهو ليس فقط لإنهاء الحرب على غزة، بل بوضع نهاية لاحتلال أصبح منافيا تماما لثقافة وقيم القرن الواحد والعشرين.

المصدر : الجزيرة مباشر