هل تبدأ تركيا عمليتها العسكرية في الشمال السوري؟

الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة الناتو (رويترز)

رغم الضغوط المكثفة التي تتعرض لها من كافة الأطراف الداخلية والخارجية، تستعد الإدارة الذاتية لمناطق شمال شرقي سوريا لإجراء انتخابات بلدية في الحادي عشر من الشهر الجاري في المناطق الخاضعة لنفوذها، والتي تشمل عددا من المدن في محافظات حلب، والرقة، والحسكة، ودير الزور مثل منبج، وعفرين، وتل رفعت، والفرات، والطبقة، ومناطق الجزيرة السورية لاختيار رؤساء البلديات وأعضاء مجالسها في 1792 مركزا.

إعلان الإدارة الذاتية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي عزمه على المضي قدما في إجراء انتخابات محلية وفق التوقيت الذي حدده أثار الكثير من ردود الفعل الرافضة داخليا لهذا التوجه لاعتبارات متباينة، فالمجلس الوطني الكردي السوري- المنضوي تحت مظلته ائتلاف قوى الثورة، والمعارضة السورية- اعتبر أن هذه الانتخابات محسومة النتائج سلفا، وأنها تفتقر إلى الحيادية في ظل هيمنة حزب واحد على السلطة -بمفرده- هناك وهو حزب الاتحاد الديمقراطي.

وهو نفس الموقف الذي اتخذه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، الذي وصف هذه الانتخابات بالخطوة الأحادية الجانب التي تتعارض مع اتفاقية دهوك، التي تشكل المرجعية السياسية لغرب كردستان، ومن نصوصها التأكيد على أن إجراء أية انتخابات في الإقليم يجب أن تتم بمشاركة جميع أطياف المجتمع الممثلين فيه سياسيا، إلى جانب تكوين شراكة فعلية في هيئات الإدارة الذاتية، والسعي لتحقيق الوحدة السياسية والإدارية، وضمان مشاركة كافة المكونات الأخرى..

وهو الأمر الذي تفتقده هذه الانتخابات بعد التباعد الحاصل نتيجة تصاعد حدة الخلافات بين أحزاب المجلس الكردي وأحزاب الوحدة الوطنية الكردية المشاركة في الإدارة الذاتية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي.

العشائر العربية والجماعات الكردية الموالية لمسعود البارزاني أعلنوا بدورهم رفضهم لهذه الانتخابات وامتناعهم عن المشاركة فيها.

سلخ الشمال السوري

ورغم حالة الرفض الكردية إلا أن الإدارة الذاتية تبدو مصرة على إكمال هذه الخطوة وفق ما سبق أن تم التخطيط له ضمن ما سمته بـ “العقد الاجتماعي” الذي أعلنته أواخر العام الماضي، وهو ما اعتبرته قوى داخلية وخارجية أولى خطوات تعزيز الوجود الكردي سياسيا، وسلخا لمنطقة شمال وشرق سوريا عن الدولة السورية المركزية..

وذلك بعد أن تم توصيف المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية بـ”إقليم شمال وشرق سوريا”، كما تم استخدام مصطلحات جديدة في الحديث الموجه لسكان المنطقة والمقيمين فيها، الذين تمت مخاطبتهم بـ” أبناء وبنات وشعوب شمال وشرق سوريا” عوضا عن مصطلح “الجمهورية العربية السورية”.

وأعلن أكثر من 25 حزبا سياسيا وتنظيما نسائيا استعداده للمشاركة في هذه الانتخابات، كما أعلنت الإدارة الذاتية أنه يحق لحوالي ثلاثة ملايين ناخب الإدلاء بأصواتهم في هذه الانتخابات، كما منحت اللاجئين الذين يقيمون في مناطقها لأكثر من خمس سنوات الحق في المشاركة.

تهديدات عسكرية تركية

هذا الإصرار من جانب مسؤولي الإدارة الذاتية على إجراء هذه الانتخابات المحلية رغم رفض الأطراف الكردية وقوى الثورة والمعارضة السورية، وعدم وجود رد فعل يذكر من جانب النظام السوري دفع تركيا إلى تصعيد هجومها والتهديد بالتدخل عسكريا لمنع هذه الخطوة التي تراها مقدمة تهدف من خلالها هذه الإدارة لتهيئة الأجواء لاتخاذ خطوة فصل المناطق الواقعة تحت سيطرتها عن بقية مناطق الدولة السورية.

الرئيس التركي أردوغان أعلن أنه لن يسمح لتنظيم انفصالي -في إشارة لحزب العمال الكردستاني- بإنشاء دويلة إرهابية على الجانب الآخر من حدود بلاده الجنوبية شمال سوريا، مؤكدا أن هذه الخطوة ضد سلامة ووحدة كل من الأراضي التركية والسورية معا.

من جانبه أوضح وزير الدفاع يشار غولر أنهم لن يقبلوا أية محاولة يمكن أن تؤثر على سلام وهدوء المنطقة، معتبرا خطط ما سماه “الجماعة الكردية المدعومة من واشنطن” لتنظيم انتخابات محلية تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي التركي، وأنهم لن يسمحوا بفرض أمر واقع عليهم يضر بأمن بلادهم القومي وسلامة أراضي جيرانهم.

ورغم عدم تطرقه إلى الخطوات التي يمكن أن تتخذها بلاده حيال هذا التحرك إلا أنه أكد التزامهم الكامل بإنشاء ممر آمن على طول الحدود المشتركة بينهم وبين كل من سوريا والعراق لمواجهة التهديدات التي يشكلها المسلحون الأكراد على دول المنطقة.

مسؤولو الإدارة الذاتية وفي تحد واضح للتهديدات التركية نشروا على موقعهم الرسمي بيانا أكدوا فيه رفضهم التدخل الخارجي فيما اعتبروه شأنا داخليا تنظيميا، ومحاولة انتقامية تهدف لمنع ما سموه “بناء متانة مجتمعنا وقوته”.

رد الفعل الأمريكي

الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الرسمي لأحزاب الإدارة الذاتية في الشمال السوري، والتي تدير سياستها وتحدد لها خطواتها، والوحيدة القادرة على وقف أي تصرف منها تراه غير مناسب سواء على الصعيد السياسي أو التوقيت الزمني، أعلنت على استحياء أنها حثت القائمين على هذه الانتخابات بعدم المضي قدما في إتمامها في الوقت الراهن، لأن الظروف الملائمة لمثل هذا الاستحقاق الانتخابي غير متوفرة حاليا في شمال شرقي سوريا، مؤكدة في بيان لسفارتها بدمشق أن “أي انتخابات تجرى في سوريا يجب أن تكون حرة ونزيهة وشفافة وشاملة، وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254”..

وهو البيان الذي يمكن اعتباره دعوة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للإدارة الذاتية تحثها من خلاله على بذل مزيد من الجهد في سبيل عقد مصالحة بين مختلف الأطراف الكردية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي الكردي السوري، واستئناف الحوار بينها وبين المجلس الوطني الكردي لإعادة التوافق والتلاحم للجبهة الكردية، قبل اتخاذ أية خطوات سياسية منفردة.

خطط المواجهة الأمريكية

يبدو الموقف الأمريكي المعلن وكأنه يحدد سياسة واشنطن والخطوات التي ستتبعها وفق التداعيات التي يمكن أن يتمخض عنها هذا التحرك من جانب الأكراد، فهي من جهة تسعى لطمأنة الجانب التركي، وتهدئة مخاوفه حتى تمر هذه الانتخابات بهدوء، وفي نفس الوقت رفع الحرج عنها بصفتها الحليف الرئيس لهذه الإدارة، عبر إبراز رفضها لهذه الخطوة، والتأكيد على أن رفضها وإن اختلفت أسبابه لكنه -في نهاية المطاف- يتوافق مع الرفض التركي.

ومن جهة أخرى فهي بهذا الموقف ترسل برسالة تحذيرية لحلفائها من المخاطر التي يمكن أن تسفر عن المضي قدما في إجراء هذه الانتخابات، في إشارة واضحة للاستعدادات التركية للقيام بهجوم عسكري مباغت لوقف هذه العملية الانتخابية خاصة بعد التصريحات الغاضبة التي أدلى بها المسؤولون الأتراك، وهو الهجوم الذي يبدو أن واشنطن تعتزم عدم التدخل به أو السعي لإيقافه حماية لحلفائها، رغبة منها في عدم إثارة استياء أنقرة، ولمنع تفاقم الخلافات التي تسبب توتر في العلاقات بينهما.

فهل تتغاضى تركيا عن الموقف الأمريكي المتلاعب، وتتخذ قرار التحرك عسكريا -بصورة منفردة- لمنع الإدارة الذاتية من إتمام هذا الاستحقاق الانتخابي الذي تراه مؤشرا لأولى مراحل انقسام الشمال السوري فعليا عن الدولة السورية المركزية؟

المصدر : الجزيرة مباشر