إلهامات الحج والعمرة المبدعين والمفكرين

الكعبة المشرفة (الفرنسية)

هناك مساحة لم يتم تناولها بشكل استقصائي، تتعلق بمساحة إلهام الحج والعمرة كثيرا من المبدعين والمفكرين في أعمال نتجت عن زيارتهم لبيت الله الحرام، والمسجد النبوي، ومعالم الحرمين الشريفين، سواء في رحلة حج أو عمرة، أو رحلة زيارة استطلاع واستكشاف لمعالم مكة والمدينة، وما حولهما من الأماكن المقدسة.

وأحسب أن هذه الأعمال لو تم حصرها، ونقاشها نقاشا مستفيضا، وبحث الزوايا التي تناول كل منهم في إبداعه، مشاعره نحو الرحلة، وانطباعاته، وحاله قبل الذهاب إليها، وحاله بعد الإياب منها، والأثر الذي أنتجته الرحلة، فسنجد عدة زوايا مهمة، ربما لا يشعر بها الحاج أو المعتمر العادي، لأن جل الحجاج والمعتمرين، يركزون على معاني تتعلق بمغفرة ذنوبهم فقط، لكن أهل الإبداع يجمعون مع ذلك كله، نواحي أخرى، فالحس الأدبي والفني والفكري لا يغيب عن مخيلتهم، فتلتقط أعينهم، وذاكرتهم، وقرائحهم، ما يرون، وما يشعرون، وفي كثير من الحالات يتحول ذلك إلى إنتاج فني أو أدبي أو فكري، ربما رأينا أثره ولا نعلم سببه، وذلك ما نجده عند زوار المشاعر من المسلمين وغير المسلمين.

مجال الإبداع الغنائي

ففي مجال الإبداع الفني، رأينا أثرا وإلهاما كبيرا للشعراء والفنانين المغنين، سواء من ذهب منهم للحج، أو من دفعه الشوق إلى الذهاب؛ ولذا تجد فارقا مهما بين من كتب ولم يحج، ومن كتب وقد ذهب بالفعل ونقل مشاعره وما رأى، إذ نجد مادة إبداعية مهمة، تعبر بصدق ولغة أدبية عالية عن الشعيرة، وبخاصة حين تتحول المادة المكتوبة من الشاعر الغنائي، إلى أغنية يؤديها مطرب رزقه الله صوتا ينقل المعاني التي كتبت إلى المستمع.

وهو ما كان في بعض الأغاني التي اشتهرت عن الحج وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي أغنية: “القلب يعشق كل جميل” التي كتبها الشاعر بيرم التونسي، وغنتها أم كلثوم، ولحنها رياض السنباطي، تجد أن هذه العبارات الرقراقة، لا تمر على أحد دون أثر يذكر ويلمس، وهناك خلاف هل حج التونسي، أم كتب أغنيته دون ذهاب، وبناها على خيال الشوق إلى الحج، أما السنباطي فقد نقلت بعض الكتب التي عنيت بالمجال الغنائي أنه كان يبكي بحرقة وهو يلحنها، وكانت سببا في إصراره على الذهاب إلى الحج.

كذلك أغنية “لأجل النبي” التي غناها محمد الكحلاوي، وكتبها الزجال المصري عبد الفتاح شلبي. وقد حُفظت هذه الأغنية، وعُرف من يغينها، ومن لحنها، ولم يشتهر اسم كاتبها، وهي تتحدث عن الشوق إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤديها الكحلاوي بأداء مؤثر، وكان كلما سمعها الدكتور محمود أمين العالم الشيوعي المصري المعروف، يقول لمن حوله: شوفوا لي حل في هذه الأغنية، إنني كلما سمعتها بكيت.

رحلة حج دبلوماسيين غربيين

كما كان للحج والعمرة أثر كبير في نفوس كبار المفكرين الغربيين الذين أسلموا، وجعلوا رحلة إسلامهم، هي رحلة الحج نفسه، فكانت كتبهم عن رحلتهم إلى الإسلام تحت عنوان: “الطريق إلى مكة”، وهو عنوان كتابين لدبلوماسيين غربيين أسلما. الأول: محمد أسد، وكان اسمه: ليوبولدفايس، وكان دبلوماسيا نمساويا، وتعرف على الإسلام أثناء رحلاته إلى العالم الإسلامي، ثم أسلم، وكتب رحلته، ومنها رحلة الحج والعمرة، بأسلوب يجمع بين لغة أدبية عالية، وتأملات مفكر كبير ورجل خبير بالزمان والمكان والإنسان.

أما الكتاب الثاني فكان للدبلوماسي الألماني: مراد هوفمان، الذي أسلم أيضا، وسرد رحلته إلى الحج، وكانت تتخللها رحلته إلى الإسلام، وكيف أسلم، ولماذا أسلم؟ وانطباعاته الفلسفية التي خرج بها من رحلته إلى الإسلام بالعموم، والحج بالخصوص، وانطباعاته عن المسلمين الحجيج في رحلته.

عمل نسوي وحيد

ولا نجد نساء -فيما أعلم- بين من أبدعوا بإنتاج أدبي أو فكري، متأثرين بالحج والعمرة سوى ما كتبته بنت الشاطئ الدكتورة عائشة عبد الرحمن، فقد ذهبت إلى الحج مرتين، مرة عام 1951م، والأخرى عام 1971م، وكتبت عن الرحلتين، كتيبا متوسط الحجم، لكنه مهم، بعنوان: أرض المعجزات ولقاء مع التاريخ، في جزيرة العرب، فقد أتى ما كتبته من مساحة أخرى، غير مساحة معظم من كتبوا، فبنت الشاطئ معنية بالأدب والشعر، وقد رزقت ذاكرة قوية في حفظ شعر العرب، فلما ذهبت إلى الحج، مرت بالأماكن التي خرج منها الشعراء العرب التي حفظت شعرهم، فربطت بين المكان والعطاء الشعري، ثم بعد ذلك بين المكان والعبادة التي مارستها.

أثر الحج في طه حسين وهيكل

أما على مستوى الأثر الفكري الكبير الذي نتج عن رحلة حج، فكان لمفكرين مصريين من أكبر قامات الفكر العربي والإسلامي، وهما: طه حسين، ومحمد حسين هيكل، أما طه حسين فصدرت رحلته كاملة في كتيب عن حجه، وقد اتضح فيه وجه طه حسين الأزهري المسلم العميق الإيمان بالله، البكاء في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، الكثير الدعاء في كل مكان ذهب إليه، راجيا مغفرة ربه، موصيا بأن يكتب على قبره: الدعاء الذي تلاه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما كتاب محمد حسين هيكل، فيعد أهم كتاب كتب عن رحلة الحج والعمرة، في كل ما كتب قديما وحديثا، ليس من حيث حجمه فقط، الذي زاد عن ستمئة صفحة، لكن من جهات عدة، من جهة كاتبه، فهو كاتب صاحب ثقافة غربية، ورجل سياسي محنك، عارض الملك فؤاد، وناله قسط من المصادرة لصحيفته، وكان وزيرا، وهو معدود في أبرز أدباء مصر، وصاحب أول رواية مصرية (زينب).

فكان كتابه: “في منزل الوحي”، عملا أدبيا وفكريا فريدا من نوعه، من حيث كم المعلومات الوصفية عن المشاعر المقدسة، وكم المعلومات الفلسفية والدينية، وربط كل ما يراه في الواقع بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، منتقلا بك إلى هذا العبق التاريخي العظيم، وهو حري بمقال مستقل يكتب عن كتابه، وعن رحلته، وعن مراجعاته الفكرية التي أجراها في هذا الكتاب، مقارنا بين رحلته بين الفكر الغربي، والفكر الإسلامي.

العامل المشترك والمهم بين جل من كتبوا عن رحلتهم إلى المشاعر المقدسة، هو مدى تأثرهم، وتغيرهم، وما أثارته الرحلة فيهم من تأملات فلسفية، ودينية، وإنسانية، وروحية، لم يكن ليعيشها هؤلاء الكتاب والمبدعون، لولا الرحلة، أو الاشتياق إليها، ومن تأمل عطاء هؤلاء قبل الرحلة وبعدها، سيكتشف فروقا هائلة، أو واضحة، كما لمسنا ذلك في هيكل، وطه حسين، وغيرهما.

المصدر : الجزيرة مباشر