الصراع العالمي الإسرائيلي

المحكمة الجنائية الدولية (غيتي)

كشفت عملية طوفان الأقصى، عن أن أزمة إسرائيل الحقيقية لم تعد مع الشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية فقط، ولم تعد مع العرب ومنطقة الشرق الأوسط فقط، أي أن الصراع لم يعد عربيًّا إسرائيليًّا، أو فلسطينيًّا إسرائيليًّا، فالصراع -كما هو واضح- أصبح صراع العالم الحر مع الصهيونية العالمية في كل مكان، خصوصًا في الولايات المتحدة ودول الغرب، وأيضًا مع بعض الصهاينة في العالم العربي، بعد أن كشفوا عن وجوههم القبيحة في المواجهة الأخيرة بشكل خاص، وهو ما جعل أنظار العالم تتجه الآن إلى كفاح الشعب الفلسطيني، علّ وعسى أن يكون بادرة التحرر الحقيقية لكوكب الأرض، من رجس الهيمنة الصهيونية.

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة، إلى أن المواطن العربي تحديدًا لم يعد يتوقف كثيرًا أمام ما يعرف بالهيمنة الصهيونية، ذلك أنه قد تعايش معها على أرض الواقع سنوات طويلة، بعد أن عانى من آثارها مبكرًا منذ إنشاء الكيان الصهيوني، حيث الدعم اللامحدود عالميًّا للكيان، بالسلاح تارة والمال تارة أخرى، وفي المحافل الدولية طوال الوقت، إلا أن المواطن في الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص، اكتشف متأخرًا أنه لا يحق له التعبير عن رأيه تجاه حرب الإبادة في غزة، على سبيل المثال، أو المجازر التي يرتكبها الاحتلال هناك، لأنه سوف يصبح مهددًا في وظيفته أو مهنته، أو حتى في جامعته إن كان طالبًا، وهو الأمر الذي استدعى إعادة صياغة المعرفة والتعبير في آن واحد، في تحدّ كبير لهذه الهيمنة، وهو ما أحدث تغييرًا جذريًّا في الصراع، من كونه إقليميًّا، إلى آفاق جديدة من العالمية، آخذة في الاتساع.

تهـديد العـدالة

ويمكن الإشارة إلى بعض من أوجه ذلك الصراع في النقاط التالية:

أولًا: لا يمكن اعتبار التهديد الإسرائيلي لرئيس وأعضاء المحكمة الجنائية الدولية، الحاليين والسابقين، ضمن الصراع مع الفلسطينيين أو حتى العرب، ذلك أننا أمام تهديد للعدالة الدولية كلها، خصوصًا عندما يتم الكشف عن قيام رئيس جهاز الموساد بنفسه بتهديد المدعي العام وأعضاء المحكمة باستهداف عائلاتهم ومصالحهم الشخصية، بما يشير إلى أننا أمام كيان مجرم، تقتضي العدالة اجتثاثه -على الأقل- من عضوية كل المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.

ثانيًا: عندما يضرب الكيان الصهيوني عرض الحائط بقرارات محكمة العدل الدولية، سواء فيما يتعلق بوقف العدوان على رفح، أو وقف استهداف المدنيين بشكل عام في قطاع غزة، فنحن إذن أمام تحدٍّ صارخ للعدالة كلها، ومن ثم أمام تحدٍّ للعالم أجمع، بل إن ذلك التلويح بالتهديد للمحكمة وابتزازها وانتقادها طوال الوقت، كان يقتضي في حد ذاته موقفًا دوليًّا موحدًا يستهدف حماية العدالة، التي أصبحت في مهب الريح، جراء ممارسات القتل والدمار على مدار الساعة، من دون أي اعتبار لقرارات المحكمة من قريب أو بعيد.

ثالثًا: كان على المجتمع الدولي أن يعي أن عدم تنفيذ إسرائيل لقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 الصادرين منذ عقود، هو في حدّ ذاته تهديد للأمن والسلم الدوليين، وتشجيع على ممارسات من ذلك النوع في أنحاء متفرقة من العالم، خصوصًا أنهما لم يستندا إلى الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، الذي يفرض تنفيذ القرارات بالقوة الجبرية، أسوة بما حدث مع العراق في غزوها للكويت عام 1990، أو فيما يتعلق بادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل، وغير ذلك من المواقف والقرارات، التي أسفرت عن توقيع عقوبات على إيران وسوريا وليبيا على سبيل المثال.

رابعًا: الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الوكالات والمنظمات الدولية في غزة بشكل خاص، كوكالة الأونروا ومقراتها ومخيماتها، أو منظمة المطبخ المركزي العالمي، وسيارات الأمم المتحدة، والإسعاف، وفرق الإنقاذ، وغيرها كثير، هي استخفاف بالغ بالمجتمع الدولي والقوانين الدولية في آن واحد، اعتمادًا على أن هناك حائط صدّ أمريكيًّا غربيًّا، يحول دون توقيع عقوبات من أي نوع، من خلال المنظمات الدولية، خصوصًا مجلس الأمن الدولي، الذي ضجّ بالفعل من الفيتو الأمريكي في هذا الشأن.

خامسًا: توسيع رقعة الصراع بالمنطقة من خلال التهديد الحاصل للملاحة بالبحر الأحمر بشكل خاص، واستهداف الحوثيين باليمن لعدد كبير من السفن التجارية، اعتراضًا على حرب الإبادة في غزة، وارتفاع قيمة الشحن والتأمين، وتأثير ذلك في أسعار السلع في العالم، ثم اتساع رقعة الصراع بعد ذلك ليشمل جماعات مسلحة بالعراق، استهدفت القواعد والمصالح الأمريكية، فضلًا عن انخراط الجبهة اللبنانية في الصراع منذ البداية، ثم المواجهة مع إيران، كل ذلك يمثل تهديدًا كبيرًا لسلام العالم واستقراره.

سادسًا: على مدى ثمانية أشهر، هي عمر المواجهة الحالية في غزة، توارى الاهتمام العالمي، خصوصًا لدى الولايات المتحدة والغرب، بقضايا حقوق الإنسان في العالم الثالث، والمعتقلات والسجون والقتل والإخفاء القسري، على اعتبار أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، هو انتهاك لكل القواعد والمواثيق الدولية، تحت سمع وبصر، بل وحماية الدول المتشدقة بهذه القضايا، وهو ما يجعل من الممارسات الإسرائيلية حجر عثرة أمام التطور العالمي في هذا الشأن، ويكشف بوضوح أهداف عواصم الغرب، التي لا تعدو كونها ابتزازًا مفضوحًا للدول المستهدفة.

سابعًا: يمثل الاستفزاز الإسرائيلي على الحدود المصرية، معضلة كبرى أيضًا على صعيد السلام العالمي، تهدد بنزاع لا تؤمن عواقبه، بدءًا من احتلال معبر فيلادلفيا، خرقًا لاتفاقيات مبرمة في هذا الشأن، واحتلال معبر رفح الحدودي على الجانب الفلسطيني، ثم استهداف جنود مصريين وإسقاطهم بين قتيل وجريح، إلى غير ذلك من اتهامات لمصر بخصوص الأنفاق وتهريب السلاح ومنع دخول المساعدات، إلى جانب ما تضمره المخططات الصهيونية بشأن المنطقة كلها، من توسعات على الأرض، وهيمنة عسكرية واقتصادية وسياسية.

  ثمـار الطـوفان

من هنا يمكن القول، إن استمرار وجود ذلك الكيان الشيطاني يمثل تهديدًا لسلام وأمن العالم كله، وليس لشعوب المنطقة فقط، وهو ما أدركه كثير من الشعوب، في كل القارات من دون استثناء، فانتفضت في التعبير عن مخاوفها، خصوصًا أجيال الشباب التي لم تتلوث طائفيًّا وعنصريًّا كسابقاتها، وهو ما يشير في الوقت نفسه إلى أن حل الدولتين، دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، ضرب من الخيال، لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، وهو ما جعل المقاومة ضد الاحتلال أمرًا حتميًّا، لا بديل عنه، على الرغم من قسوة وفداحة الثمن، ممثلًا في حجم الأرواح والدماء والدمار.

ويمكن التأكيد في هذا الصدد، على أن الصراع العالمي الحاصل الآن مع ذلك الكيان، أو هذه المواجهة الفكرية والقانونية والسياسية على مدار الساعة، هو إحدى ثمار عملية طوفان الأقصى، التي أيقظت الضمير العالمي من جهة، ومن جهة أخرى -وهو الأهم- انتشلت العالم من حالة خطيرة من التغييب، عانى منها طوال ما يزيد على سبعة عقود، في ظل خداع غير مسبوق من وسائل الإعلام الموجهة، التي حملت على عاتقها تزييف الحقيقة، وسياسيين مدلِّسين عاثوا في الأرض كذبًا وبهتانًا، إما لحسابات ومصالح شخصية، أو لحسابات طائفية وفاشية، كان الأطفال والنساء أكثر ضحاياها، ليس في فلسطين فقط، وإنما في بقاع كثيرة من العالم، وهو ما يؤكد وجهة النظر التي ترى أن حرب التحرر في غزة، ليست فلسطينية فقط، بل هي عالمية، تصبّ في صالح تطور وتحرر العالم كله.

المصدر : الجزيرة مباشر