في طريق الحملات الصليبية تسير دولة الاحتلال الإسرائيلي.. لماذا؟!

ديفيد هيرست رئيس تحرير موقع ميدل إيست آي البريطاني
ديفيد هيرست رئيس تحرير موقع ميدل إيست آي البريطاني (الجزيرة مباشر)

تمكن ديفيد هيرست من بناء معرفته بالشرق الأوسط عبر سنوات طويلة أهّلته لأن يتعامل العالم معه بقدر كبير من الاحترام لآرائه وتحليلاته، وهو اليوم يطرح سؤالا مهما هو: هل تسير إسرائيل في طريق الحملات الصليبية؟!

السؤال يمكن أن يفتح مجالا جديدا لاكتشاف الكثير من الحقائق التي تحاول دولة الاحتلال الإسرائيلي إخفاءها خلف الضربات العنيفة التي تشنها على غزة.

طرح السؤال يؤكد شجاعة هيرست وجرأته، وإجابته عن السؤال توضح أنه درس التاريخ بعمق، فتمكن من اكتشاف الكثير من أوجه التشابه بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والحملات الصليبية، وتمكن من أن يبرهن على ذلك في كتابه “البندقية وغصن الزيتون: جذور العنف في الشرق الأوسط، وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي” الذي صدرت طبعته الأولى في يوليو/تموز 2023.

من أهم الحقائق التي يعرضها هيرست أن تاريخ إسرائيل يقوم على العنف، ويعرض الكثير من الأمثلة على ذلك من أهمها: أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي بدأت عام 1987 لم تستخدم العنف، لكن إسحاق رابين وجه قواته العسكرية لتكسير عظام الأطفال.

عرفات يرفع غصن الزيتون

وافق عرفات على عقد معاهدة سلام مع إسرائيل في أوسلو، وأعلن رفضه للعنف، لكن تلك الاتفاقية لم تنتج حلا للصراع يقوم على حل الدولتين، وبدلا من أن تؤدي إلى التهدئة اندفع المستوطنون إلى ارتكاب الكثير من أعمال العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين، والاستيلاء على أراضيهم للتوسع في إنشاء المستوطنات، كما قام باروخ غولدشتاين بارتكاب مذبحة في الحرم الإبراهيمي؛ أدت إلى قتل 29 مسلما كانوا يؤدون صلاتهم في الحرم؛ وأدت تلك الأحداث إلى إنشاء حماس، التي ردت على عنف المستوطنين بسلسلة من العمليات الاستشهادية، وبدأت الانتفاضة الثانية التي واجهها شارون بكل عنف، ولم يلتزم باتفاقية أوسلو.

يكشف ديفيد هيرست عن حقائق جديدة من أهمها أنه بالرغم من أن الجنود الإسرائيليين لم يشاركوا في العدوان على العراق؛ فإن هذه الحرب كانت لمصلحة إسرائيل؛ حيث استهدفت بناء نظام جديد يكون صديقا لإسرائيل. وكانت هذه الحرب أكبر عمل تاريخي تقوم به أمريكا لحماية إسرائيل، وضمان تفوقها في المنطقة لدرجة أن الإسرائيليين يعتبرون أن سيطرة أمريكا على العراق كانت العمود الثاني في بناء دولتهم، وضمان أمنها وتفوقها.

لقد كانت حرب العراق كارثة على كل الأطراف التي شاركت فيها ماعدا إسرائيل، فقد أدت إلى تمزيق العراق، وتخلت كل الدول العربية عن العداء لإسرائيل، واستسلمت لحقيقة أنها القوة الوحيدة في المنطقة.

كما تخلت فتح عن عدائها لإسرائيل، وظلت تتمسك باتفاقية أوسلو، فكانت حماس هي التي تقوم بدور المقاومة، لذلك شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة من الحروب على غزة بهدف استئصال أية قوة مقاومة.

إسرائيل أمة تعيش بالسيف!

لكن ما علاقة ذلك بالتشابه بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والحروب الصليبية؟! يجيب ديفيد هيرست بأن النتن ياهو يقول: “إننا أمة تعيش بسيفها”، وهذا يعني أنها تعيش في حرب دائمة، وتقاتل أعداءها بكل قوتها، وهذا يشبه سلوك الصليبيين، ويوضح أنها حملة العصر الحديث الصليبية.

وإسرائيل تدرك ذلك، وتعيش بما يطلق عليه ديفيد أوهانا “القلق الصليبي”، وهذا الخوف من مصير الحملات الصليبية يشكل نفسية الإسرائيليين.. لماذا؟!

من أهم أوجه التشابه مع الحملات الصليبية أن إسرائيل تعيش على مساندة القوى الخارجية ودعمها، ومن أهمها الولايات المتحدة الأمريكية التي كان دعمها هو العامل الرئيس في حياة إسرائيل وقوتها، كما اعتمدت الحملات الصليبية على مساندة الممالك المسيحية الأوروبية.

لقد ظل الصليبيون يستمدون قوتهم من أوروبا، وعاشوا يقاتلون بسيوفهم ويرتكبون المذابح ضد المسلمين، ويقومون بطردهم من أراضيهم؛ فتراكم شعور المسلمين بالظلم.

الخطيئة الأصلية!

يقارن ديفيد هيرست بين المذابح التي ارتكبتها الحملات الصليبية، وتلك التي ارتكبتها العصابات الصهيونية؛ ففي عام 1099 ارتكبت الحملة الصليبية أعظم جرائم التاريخ، حيث قامت بذبح كل المسلمين في القدس.

وبعد ثمانية قرون ونصف (1948) ولدت دولة إسرائيل عن طريق القيام بجريمة ضد الإنسانية، قامت فيها العصابات الصهيونية بارتكاب مذابح ضد السكان الفلسطينيين؛ بهدف التطهير العرقي.

مع كل تلك الجرائم ظلت أمريكا تؤيد إسرائيل، وتجاهلت كل انتهاكاتها للقوانين الدولية، وأثارت مشاعر الأمريكيين والأوربيين بأنه أخيرا تحقق “الحلم النبيل”.

كانت إسرائيل مثل الحملات الصليبية تمضي في معركة مستمرة بهدف التوسع وضم الأراضي؛ فبمجرد تتويج بولدوين ملكا على القدس عام 1100 بدأ يعمل لتوسيع مملكته؛ فتمكن من الاستيلاء على كل أرض فلسطين، وأجزاء من سوريا والأردن ولبنان، وملأها بالمستعمرات التي تشبه الكيبوتزات الإسرائيلية.

ومثل الحملات الصليبية لم تحترم إسرائيل أخلاقيات الحروب، وانتهزت الفرص للعدوان على الدول العربية، وتمكنت عام 1967 من الاستيلاء على كل الأراضي التي ضمها بولدوين إلى مملكته.

وكما استدعى بولدوين كل قوة أوروبا لتحرير الأرض المقدسة من المسلمين الكفار؛ استخدمت إسرائيل كل قوة أمريكا وأوروبا؛ لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.. لكن حياة إسرائيل تتطلب استمرار دعم الولايات المتحدة.

وإسرائيل دولة دينية “ثيوقراطية” مثل الحملات الصليبية، وتتعامل مع جيشها باعتبارهم جنود الرب!

المصدر : الجزيرة مباشر