في ظلال رقابة “الدولة الحارسة”

ستمكن التكنولوجيا الحديثة الحكومة الصينية من التعرف إلى المعارضين والتمكن من القبض عليهم (الفرنسية)

حققت الصين اختراقًا تكنولوجيًا بقدرتها على إنتاج هواتف، تكسر حدود الجيل الخامس الذي اعتلت عرشه منذ سنوات، تمهيدًا للقفز على التكنولوجيا الغربية التي تعمل بمعالج 5 نانو مترات، للولوج مباشرة إلى تكنولوجيا اتصالات الجيل السادس.

استطاعت مجموعة “هاواي” المملوكة للدولة مؤخرًا إنتاج هاتف يعمل بمعالج 7 نانو مترات، صيني الصنع، لا ينافس جودة “أبل” الأمريكية فقط، بل يدفعها إلى امتلاك معالجات 5 نانو مترات التي تحتكرها تايوان، التي تخطط لبناء مصنعين لها الولايات المتحدة، خلال عامين.

سبب الاختراق الصيني صدمة لأجهزة المخابرات الأمريكية والغربية، التي تدير مع البيت الأبيض حربًا باردة لمنع الصين من امتلاك تكنولوجيا فائقة حديثة رخيصة التكلفة، ستكسر انفراد الغرب بهيمنته القوية على شبكات الاتصال ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

تتميز المعالجات الحديثة بقدرتها على التعامل وتخزين تريليونات المعلومات، ونقلها على الهواء مباشرة بين الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، عبر شبكات اتصال هائلة بالأقمار الصناعية قريبة من الأرض، تستطيع رؤية وتحليل وتسجيل كل ما يدور فوق سطح الأرض من بشر أو حجر وأجواء، بدقة متناهية على مدار الساعة.

دولة المراقبة

تسعى الصين إلى كسر الحصار الغربي بتصدير تكنولوجياتها المتقدمة لأصدقائها بعيدًا عن القيود الأمريكية. بنت الصين مدينة محصنة بتكنولوجيا “هاوا وي” وقروض حكومية بلغت 5.4 مليارات دولار، في العاصمة الإدارية الجديدة الشهر الماضي.

تتعرف الكاميرات إلى الوجوه، وتتلقي إشارات من السيارات، لتنقلها مباشرة إلى غرفة مركزية للمعلومات على عمق 60 مترًا تحت الأرض، تُجهز بأن تصبح مركز مراقبة لكل ما يدور في الدولة.

تسير عاصمة مصر الجديدة، على خطى مدن الصين، التي شهدت تحولًا يدهش كل من يشاهد مبانيها الحديثة والشاهقة. تغري المدن زوارها بالتحول السريع في توظيف التكنولوجيا، بكل شيء يتصل بالسفر والإقامة، والبيع والشراء والمتعة، فيغطي بريقها المدهش على ما يراه من آثار دولة المراقبة.

تدير الصين أكبر شبكة كاميرات تعادل ما تملكه مدن العالم، بنحو 550 مليون “كاميرا”، يختص بعضها بتحديد الهوية، وأخرى لرصد الهواتف، وثالثة لمعرفة تفاصيل الهمسات والأحداث. يوضع على عامود واحد في الشوارع عشرات “الكاميرات”، جميعها متصلة بشبكة الأمن العام المركزية، بما يمكن الدولة من ملاحقة أفكار الأشخاص قبل أن تتحول إلى واقع.

تروج الصين لنشر هذه التكنولوجيا بقوة بين الدول وبخاصة الأنظمة السلطوية. تسوّق الأنظمة لاستخدام هذه الوسائل في مكافحة الإرهاب وملاحقة الخارجين على القانون. أوضحت دراسة أجراها مركز “بيو” للأبحاث أن 46% من الأمريكيين البالغين يوافقون على استخدام الشرطة لتكنولوجيا التعرف إلى الوجه بالأماكن العامة، بينما يوافق المجتمع الصيني عليها بنسبة 51%.

نهاية الخصوصية والاحتجاجات

تشير دراسة أجراها ستيفن فيلدشتاين الباحث بمؤسسة “كارنيجي” للسلام الأمريكية، امتلاك 78 دولة أنظمة التعرف إلى الوجه، في الميادين والأماكن العامة على مدار السنوات العشر الماضية.

أظهرت الدراسة الحديثة، أن السنوات الماضية التي شهدت ثورات الربيع العربي بكل من مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، وانتفاضات المظلات في هونغ كونغ والمزارعين في الهند وأوروبا، واحتجاجات الطلاب بالولايات المتحدة ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، جعلت من التكنولوجيا أداة حاسمة بيد السلطات، في معاقبة المتظاهرين، وإنهاء الخصوصية بعد أن ظلت حشود المعارضين يتمتعون بقدرتهم على الإفلات من الاعتقال.

تذكر الدراسة بأنه “ليس من قبيل المصادفة أن التبني واسع النطاق لهذه التكنولوجيا من جانب الدول لم يأت من فراغ، حيث استخدمت الكاميرات المخفية، في استهداف النشطاء السياسيين بأماكن التظاهرات، والقبض على المنتمين للعرقيات الدينية والإثنية”، بما دفع منظمة العفو الدولية إلى تتبع التشريعات القمعية التي تفرض قيودًا غير مشروعة على حرية التظاهر السلمي.

أوضحت الدراسة أن تكنولوجيا التعرف إلى الوجه وراء اختفاء الاحتجاجات الجماهيرية عمليًا، وأن الذين يرغبون في ذلك يجدون صعوبة في القيام بها بسبب الاعتقال الوقائي، بما يشعرهم بالضعف وانعدام الحماية.

القمع الوقائي

يذكر مينكسين باي “Minxin Pei” أستاذ العلوم السياسية بكلية “كليرمونت” في كاليفورنيا، في كتابة الأخير “الدولة الحارسة The Sentinel State” أن الاستبداد السياسي في الصين لا يعود الفضل فيه إلى الذكاء الاصطناعي للتعرف إلى الوجه، والتتبع بنظام تحديد المواقع العالمي، وإنما إلى الموارد البشرية الهائلة التي تتوافر لدولة مراقبة مبنية على نظام لينيني، منظم من أعلى إلى أسفل، عبر خلايا منتشرة بأنحاء البلاد، لممارسة القمع الوقائي المسبق قبل حدث شيء ما.

يكلف القمع الوقائي الدولة أموالًا طائلة لمراقبة الناس، بهدف “التعرف إلى أي شخص يحتمل أن يشكل تهديدًا مباشرًا للنظام، واتخاذ إجراء ضده قبل أن يصبح التهديد حقيقة أو محتمل بشدة”.

يعتمد القمع الوقائي وفقًا لـ”باي”، على فئات عدة من المخبرين المجندين رسميًا أو أعضاء اللجان السياسية بالأقاليم، أو المختارين من قبل الشرطة، في مجموعات المخبرين السريين، الذين يشكلون آذان الشرطة وأعينها، يساعدهم بعض الأشخاص المشبوهين الذين قد يرتكبون جرائم عادية، ولكن يجري تكليف بعضهم بواجبات سياسية حساسة، وتتبع المعارضين السياسيين.

الاستبداد وتآكل السلطة

يؤكد الخبير الصيني، في دراسته، أن قوة دولة المراقبة “Surveillance state” تفوقت على أعتى دول بوليسية، مثل ألمانيا الشرقية التي امتلكت جهاز “ستازي” الرهيب، بما لديها من قدرات تقنية هائلة، يمكنها تتبع 1.5 مليار نسمة، بالتوازي مع مجموعات الرقباء المنتشرين بين السكان. تظل قوة دولة المراقبة رهينة بقدرة النظام السلطوي، على إدارة اقتصاد قوي، وتدبير ميزانيات هائلة لتشغيل مراكز المراقبة، مع التغاضي عن فساد منظومة المخبرين.

في كتاب “القوة الحادة Sharp power” توضح مؤلفته بيثاني ألين، أن قوة الصين التي تتحكم بالإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، غير مسبوقة، لنظام استبدادي آخر، بما جعلها تمارس سيطرة دقيقة على حياة المواطنين اليومية، والسعي إلى تعميم نظامها القومي، عبر تحالفات ثنائية مع الأنظمة والدول الصديقة، بما يمثله ذلك من مخاطر وتحديات للشعوب الأخرى.

قد تظل النظم الاستبدادية بأماكنها لفترات زمنية طويلة، رغم الظروف الصعبة وتعرض الناس للمجاعات والقهر، كما يحدث في كوريا الشمالية، وكثير من الدول العربية والإفريقية وأمريكا اللاتينية، ولكن تثبت أوراق التاريخ أن الاستبداد بالدول الكثيفة السكان لم تحصنه كثرة المخبرين ولا مراكز المراقبة، بل يعرض نظامها السلطوي للانهيار السريع.

المصدر : الجزيرة مباشر