من غزة إلى لبنان.. هل يتوسع العدوان؟

أنصار حزب الله في ساحة العاشوراء بالضاحية الجنوبية لبيروت للاستماع إلى خطاب الأمين العام للحزب حسن نصر الله (غيتي - أرشيفية)

في كل تصريحات القادة والسياسيين في كيان الاحتلال الإسرائيلي ما يدعو إلى الاعتقاد بأن حربًا قادمة بين الكيان المحتل ولبنان، وأن الاستعدادات تجري على قدم وساق للتجهيز لضربة عسكرية لحزب الله اللبناني، ستتوسع وتمتد إلى العاصمة بيروت.

تصريحات تكشف التوتر واحتمال الحرب

منذ يومين وخلال زيارة له إلى شمالي فلسطين المحتلة، هدد رئيس الوزراء الصهيوني الإرهابي بنيامين نتنياهو بحرب شاملة على لبنان، قائلًا إن إسرائيل مستعدة “لتحرك قوي جدًّا” على الجبهة الشمالية.

وأضاف “نحن مستعدون للقيام بعمل قوي في الشمال، وسنعيد الأمن بطريقة أو بأخرى، ويخطئ من يظن أننا سنقف مكتوفي الأيدي بعد تهديد حدودنا”.

تصريحات نتنياهو حملت لهجة تهديد، تبدو أقرب إلى إعلان الاستعداد لما سيحدث في أيام مقبلة.

في تكثيف الضربات التي وجّهها حزب الله اللبناني داخل شمالي إسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين تجاوز نسبي لقواعد الاشتباك العسكري التي حرص عليها طوال الأشهر الثمانية الماضية، وكسر لحسابات المعركة القديمة، ومحاولة لإرباك الكيان المحتل، وإسناد المقاومة الفلسطينية، ودعم المفاوض الفلسطيني الذي يتمسك بوقف العدوان والانسحاب الصهيوني من غزة.

قبل تصريحات نتنياهو بيوم واحد، أكد رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي أن الكيان المحتل في طريقه لاتخاذ قرار بشأن لبنان، وأن الجيش الصهيوني مستعد لأي قرار سيصدر، مشددًا على أنهم بدؤوا تدريبات مكثفة لشن هجوم على لبنان.

تصريحات الساسة الصهاينة كلها تصب في خانة عدوان جديد على حزب الله، وتتجاوز تلك التصريحات الآراء المتطرفة لوزراء نتنياهو المتشددين أمثال بن غفير وسموتريتش، وتصل إلى غالبية القادة السياسيين بما يوحي بأن ترتيبًا قد بدأ للحرب على لبنان.

اختلاف في التقديرات للمراقبين والسياسيين

تقديرات السياسيين والمراقبين العرب تنوعت بين مصدق لاحتمال اندلاع حرب أضحت وشيكة بين حزب الله اللبناني والكيان المحتل، ومتحفظ على هذا التحليل السياسي.

السيناريو الأول الذي يتبناه الكثير من السياسيين العرب يرى أن الحرب أضحت وشيكة، وأن عدوانًا قريبًا سيمتد ليشمل العاصمة اللبنانية بيروت، ويستندون في وجهة نظرهم إلى أن نتنياهو سيحاول تعويض هزيمته السياسية والاستراتيجية في غزة بفتح جبهة جديدة للحرب، وأن رئيس الوزراء الصهيوني يعتقد أن حربًا ضد حزب الله اللبناني ستنقذ حكومته من السقوط، وربما تنقذه هو شخصيًّا من المحاكمة السياسية -والجنائية- لمسؤوليته عن عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول البطولية، ويستند هذا الرأي أيضًا إلى تصريحات سبق أن أطلقها نتنياهو حول حربه على غزة التي ستطال حزب الله وتغيّر من خريطة الشرق الأوسط، على حد تعبيره.

أما السيناريو الثاني الذي يتبناه عدد من السياسيين العرب، فيربط بين أي حرب مقبلة على لبنان والعدوان الصهيوني على أهل غزة، ويشدد أصحاب هذا السيناريو على أن أي اتفاق لإنهاء العدوان ووقف الحرب المجنونة سيقلل من فرص وجود عدوان إسرائيلي على لبنان، إذ إن الحصار العالمي المفروض على الكيان المحتل، والغضب الشعبي الكبير الذي امتد إلى الدول الغربية للمرة الأولى سيصعّب من أي قرار يمكن أن تتخذه إسرائيل ضد حزب الله أو ضد لبنان بشكل عام.

ويتوقف هذا الرأي أمام تصريحات مسؤولين أمريكيين لموقع “أكسيوس” منذ بضعة أيام، وهي التصريحات التي كشفت أن الإدارة الأمريكية حذرت الكيان المحتل من أن أي ضربة عسكرية ضد حزب الله قد تجبر إيران على دخول الحرب، وهو ما يعني إمكانية انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، وهو سيناريو كارثي لن يتحمله أي طرف بما فيها إسرائيل ذاتها، حسب ما جاء على لسان المسؤولين للموقع.

المؤكد هو أن الاتفاق السياسي الذي ينهي العدوان الصهيوني ما زال بعيد المنال، ومعظم التصريحات العسكرية لقادة دولة الاحتلال تقول إن العملية العسكرية في رفح ربما تمتد إلى نهاية شهر يونيو/حزيران الجاري، بما يعني أن الحرب في أقرب الاحتمالات ستستمر شهرًا آخر، وهو ما يفجّر الاحتمالات لحرب عدوانية جديدة ضد لبنان، أو على الأقل توسيع لقواعد الاشتباك التي ارتضاها الطرفان -حزب الله وجيش الاحتلال- منذ بداية العدوان الصهيوني في شهر أكتوبر الماضي، وهو الأمر الذي ربما يكون مقدمة لحرب شاملة لا يمكن استبعادها ولا سيما مع وجود حكومة إرهابية متطرفة على رأس السلطة في الكيان الغاصب.

ماذا يفعل العرب؟

السؤال عن الدور العربي خلال الأيام المقبلة ذو وجهين!

ماذا يفعل العرب لكي تتوقف احتمالات شن العدوان على لبنان؟

ثم ماذا يفعل العرب إذا وقعت الواقعة وأضحت الحرب حقيقة قائمة بين لبنان والكيان الإسرائيلي المحتل؟

في حسابات السياسة، فإن التحرك من أجل منع العدوان هو الأولى والأسلم، وهو الذي يجب أن يتبناه العرب منذ الآن عبر الدبلوماسية التي تشرح للعالم خطورة أي عدوان صهيوني جديد على دولة عربية، ثم تغيير الدبلوماسية الطيبة الناعمة إلى أخرى أكثر حدة ووضوح، والتأكيد أن الشعوب العربية لن تتحمل حربًا جديدة يخوضها جيش الاحتلال ضد العرب بلا رادع من قانون أو أخلاق، وأن المنطقة كلها ربما تنفجر بسبب الانفلات الصهيوني والإصرار على فرض واقع سياسي جديد على الجميع بالقوة المسلحة.

أما إذا تحدّث السلاح وباتت الحرب واقعًا، فإن ما لم يفعله العرب طوال فترة العدوان على غزة ما زال بأيديهم أن يفعلوه!

بداية من تأكيد رفض العربدة الصهيونية بلا رادع، مرورًا بقطع العلاقات وطرد السفراء ومراجعة الاتفاقات السياسية والاقتصادية، وهو الرد الطبيعي والمنطقي على السيناريو الذي يتكشف يومًا بعد آخر.

ترغب دولة الاحتلال الإسرائيلي في خلق شرق أوسط جديد، يرسم خرائطه جيشها، ويضع حدوده نتنياهو وبن غفير وغيرهم من المتطرفين الصهاينة، وهو أمر إذا قبله العرب فعليهم الاعتراف بأنهم لا يفرّطون في الحاضر فقط، بل في مستقبل الأجيال المقبلة، وأن التاريخ سيكتب أن كيانًا محتلًّا صغيرًا وحقيرًا نجح في فرض إرادته بالقوة المسلحة على وطن كامل ممتد من المحيط إلى الخليج، فقط سيكتب التاريخ أن قوة مقاومة صغيرة ذات كرامة هي التي قاومت وحاولت وصنعت انتصارها.

المصدر : الجزيرة مباشر