9 يونيو.. عندما ترفض الشعوب الحية الهزيمة

مظاهرات ترفض قرار عبد الناصر بالتنحي

تُهزم الجيوش الضخمة ذات الأعداد والحشود من الجنود والأليات والمعدات؟ نعم..

تُهزم، وقد تنكسر، ويفقد الجنود بعض الثقة في ذواتهم وقدراتهم والقادة، لكن الشعوب الأصيلة والممتدة في أعماق التاريخ لا تُهزم ولا تنكسر، يُستشهد منها الآلاف ولا تنكسر، يُصاب منها عشرات الآلاف وتقف شامخة تتحدى بتاريخها وحضارتها المعتدي، تختزن أحزانها وآلامها وتمسح الدمعات من عيون الأمهات والأبناء والأطفال حتى لا تبدو هزيمتها وانكسارها أمام الأعداء.

لا تُهزم الشعوب طالما بقيت إرادة المقاومة والنصر في عروق أبنائها، يحاول العدو بكل الطرق الوصول إلى تلك النقطة العميقة من الروح في شعوب الحضارة والتاريخ ليحصل على استسلامها. يهدم المنازل والمدراس والمساجد والكنائس. يقتحم المكتبات ويسرقها ويحرق كتبها وأقلامها. يقتل الأطفال على مقاعد الدراسة أو بين جنبات الحدائق، أو أجنة في بطون أمهاتهم، لكن الشعوب لا تستسلم. تقف على أقدام مبتورة تتمسك بسلاحها لتقاوم المحتل والمعتدي. يحاول بكل الوسائل الوحشية اللإنسانية أن يحصل على روح الشعب ولكن لا يفلح مع شعوب أدمنت المقاومة والنصر، فماذا حدث في يونيو/ حزيران 1967؟

هُزمنا؟ نعم ولكن!

هُزم الجيش المصري في تلك الحرب هزيمة كبيرة: نعم.
قل هزيمة تكون محقا، فتلك هزيمة كبيرة لجيش ربما كتب عليه ألا يحارب، رغم بطولات فردية بين جنبات الهزيمة. هزيمة كبيرة استشهد فيها 20 ألفا. أُطلق عليها مسمى النكسة، ليكن..
فقد انتكست دولة كانت تبني وتعلم وتنطلق نحو تنمية كبيرة، انتكست أحلام كبيرة لوطن يمتد من محيطه إلى خليجه، وحدة كنا نحلم بها فانتكست، معارك كنا نأمل أن نخوضها في العلم والتنمية فتوقفت، لتكن انتكاسة لتلك الأحلام الكبيرة.

انسحاب غير موفق أو بطريقة لا تليق: نعم. ضحايا لا تعد ولا تحصى في أعداد البشر، وفي الآلات والمعدات: نعم.
لك أن تحزن للشهداء، لفقد الآليات، لفقدان الأرض، كل هذا مباح ومتاح، لكن أن تتوقف عند اللحظة ولا تنطلق للأمام فتلك هي الهزيمة والانكسار الذي لا يليق بك فردا أو أمة.
كم من الهزائم مرت عليك ولم تهزم روحك؟ كم من الشهداء ذهبوا في سبيل تحريرأو فتح وكانوا نبراسا لبناء هذه الأمة بحضارتها وتاريخها وعزتها؟

لم يتوقف تاريخ مصر ولن يتوقف عند تلك الأيام، فقد أعلن الشعب المصري أنه لن يستسلم في اليوم الخامس لتلك الهزيمة أو النكسة، رفض الهزيمة في كل شوارع مصر بعد ما عرف بخطاب التنحى للرئيس جمال عبد الناصر، خرج الشعب ليقول لناصر: نحن لا نقبل الهزيمة، ولا نقبل أن يكون العدو سببا في تنحي رئيس هذا البلد الذي يمتد عمره ألف مرة من عمر هذا الكيان اللقيط.

قال الشعب في يونيو لجمال عبد الناصر: أنت تتحمل مسؤولية الهزيمة: نعم، ولكن لا تهرب بهذا الاعتراف .. استكمل حتى تمحو آثار تلك الهزيمة. لن نستسلم لعصابات، فكم مر علينا من أشكال هذه العصابات. صرخت شوراع مصر، وأبنيتها العتيقة، وتاريخها فرعوني، وقبطي، وإسلامي أن مصر لا تنحنى ولا تقبل الهزيمة، لا يغر العدو صمتنا، وانغماسنا في حياتنا أو ذواتنا في حقولنا أو شوراعنا. فالشعوب التي تدرك حضارتها الإنسانية الجامعة تصمت ولا تستسلم، تهزم ولا تموت، تدمر وتعود لتبني، يُستشهد أبناؤها ليولد الآلاف من الجنود والمقاومين والشهداء لتتحرر.

هل هي مسرحية؟

يؤلمني وأظن أنه يؤلم أي مصري أو عربي حقيقي أن يكون بيننا من يقول إن ما حدث عشية التاسع من يونيو/حزيران 1967 هو تمثيلية من تأليف الاتحاد الاشتركي التنظيم السياسي الوحيد في مصر، أو التنظيم الطليعي (التنظيم السياسي الشبابي في ذلك الوقت)، أن هذه الوصمة ليست لجمال عبد الناصر، ولا لتنظيمه السياسي وشبابه، بل هي وصمة لهذا الشعب العظيم.

فإن كان ما حدث في هذا اليوم مسرحية، فهل ما حدث في الخرطوم في مؤتمر القمة العربي أغسطس 1967

كان أيضا مسرحية؟ وهل ما حدث في جنازة جمال عبد الناصر كان مسرحية؟
إذا كانت هذه مسرحيات، فلماذا لم تحدث مع أنور السادات، أو حسني مبارك، ولم تحدث إلا مع سعد الدين الشاذلي وعبد الحليم حافظ. والأول: قائد جيش مصر في نصر أكتوبر/ تشرين الأول 1973، والثاني: صوت ثورة يوليو وصائغ أحلام المصريين مع جمال عبد الناصر.

إن شعبا بتاريخ الشعب المصري لا يمكن أن يوصم أنه كومبارس في مسرحية حتى لو كان مؤلفها جمال عبد الناصر. هل جربت أن تشعر بالمرارة، وأنت تصف نفسك بهذه الصفة (كومبارس)؟
هل جربت أن تسأل جدك، أو أباك: أين كان في عشية التاسع والعاشر من يونيو؟ هل مر عليك رجل أو أمرآة عاشت تلك اللحظة، وقال، أو قالت لك إنها لم تصرخ ولم تجر مع طوفان البشر لترفض الهزيمة ولتعلن أنه ” لأ .. لأ .. هنحارب” كما صورها يوسف شاهين، وأطلقتها محسنة توفيق في نهاية فيلم العصفور.

هل كانت تلك الصرخة التي دوت في سماء مصر والأمة العربية من طوفان بشري لم يُر فيما بعد إلا صرخة روح هذا الشعب الذي ينادي في البرية، وفي الصمت بكل قوة أنه شعب خُلق لكي يعيش وينتصر، كما صرخات أبائنا وأمهاتنا، وأخواتنا، وأطفالنا في غزة والضفة، والقدس، وكل فلسطين، في لبنان، اليمن، العراق أننا سنقاتل، ونقاوم وننتصر مهما كانت التضحيات، ومهما بلغ عدد شهدائنا.

إن كنت لا تؤمن أن هؤلاء الذين يذهبون إلى الشهادة بقلب وروح خالدة: أرجوك من فضلك راجع روحك وانظر أين تقف؟ لا تجعل اختلافك مع أي شخصية أي ما كانت أو اتفاقك يكون سببا في جفاء مع جزء من تاريخ وطنك وأمتك. فتحسس أين أقدامك؟
وعاشت المقاومة في كل زمان ومكان، وعاشت المقاومة في كل أرض عربية لتحيى روح هذه الأمة وتنتصر بإذن الله.

المصدر : الجزيرة مباشر