الانقلابات.. مَنْ وراءها؟

الجنرال بريس أوليغي نيغما قائد الانقلاب العسكري في الغابون

ليست سوى عوامل مساعدة وفرص مُحَفِّزة، تلك التي يحشدها النقاد والمحللون؛ ليفسروا في ضوء الشرارات المنبعثة من احتكاكها واصطكاكها وقوع الانقلابات العسكرية، ولسنا نجهل أو ننكر أنّ الأزمات الاقتصادية والأمنية، مع الفشل السياسي والإداري، إلى جانب توتر العلاقات المدنية العسكرية وهشاشة النظام الحاكم؛ من أهم الأسباب الظاهرة لوقوع الانقلاب، لكنّ حشد هذه الأسباب والإسراف في تستيفها بين يدي القراء والمتابعين يحجب الحقيقة الكبرى، ويجعلها تتوارى كليًّا أو تتذبذب بين الظهور والخفاء على استحياء، كما الشمس المحتجبة خلف الغيوم الكثيفة؛ فما السبب الحقيقي للانقلابات العسكرية؟ وما الدوافع التي تكمن وراء هذا السبب؟ هذا هو السؤال الأحرى.

الوصف الجامع للمنكوبين

في القارة السمراء وحدها، وفيما لا يزيد على ثلاث سنوات، وقعت تسعة انقلابات، كان آخرها في الغابون عام 2023، وبعض هذه الدول وقع فيها انقلابان متتاليان بينهما شهور، مثل مالي وبوركينا فاسو، ولم تستطع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) أن تفعل شيئًا مع تلك الانقلابات؛ ولا سيما انقلاب النيجر الذي هدد بفتح الباب لتدخل الشقيقتين مالي وبوركينا فاسو، أمّا المخروط الأمريكي الجنوبي فقد دار في فلك الانقلابات كما يدور المغزل، فما من دولة في أمريكا اللاتينية إلا وقد ابتُليت بانقلاب كان قادته أقسى على الشعوب من ذئاب ضارية أُرسِلَت في غنم سائبة مسترسلة: البرازيل.. الأرجنتين.. تشيلي.. السلفادور.. نيكاراغوا، وغيرها؛ ومن المؤكد أنّ فشل الانقلاب الأخير في بوليفيا كان بسبب تلك التجارب المتراكمة التي أرغمت القارة على تجرُّع مرارتها، وليست القارة الآسيوية بمنأى عن ذلك البلاء الثقيل، ولا سيما الدول الإسلامية مثل باكستان وإندونيسيا، فليس الجامع جغرافيًّا أو أيديولوجيًّا أو بيئيًّا، وإنّما هو -فقط- الاستهداف.

مَن فعل كلَّ هذا؟

في وقت سابق، نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن دراسة عن نظام العلاقات الأمريكية الدولية، مؤداها أنّه “بينما تقدّم الولايات المتحدة خدمة (لسانية) للديمقراطية؛ فإنّ التزامها الحقيقي هو لمشروعات الرأسمالية الخاصة، وعندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد؛ فعلى الديمقراطية أن ترحل، ولا بأس أن يحل محلها حكام التعذيب والقتل”، هي -إذَن- أمريكا التي وقفت وراء أغلب الانقلابات التي وقعت في العالم، ولا سيما دول أمريكا الجنوبية، وتشير أصابع الاتهام إلى أنّها المتهم الأول بدعم انقلاب بوليفيا التي بادرت بطرد السفير الصهيوني وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني الذي يتمطى بسماجة على حجر أمريكا، ويلقم ثديها المنتفخ من أقوات المنكوبين في الأرض.

وأمريكا تفعل هذا بقلب بارد، يقول نعوم تشومسكي “لم يكن عمل القوات التي حركناها في نيكاراغوا، أو عمل وكلائنا الإرهابيين في السلفادور أو غواتيمالا، لم يكن عملهم هو القتل العادي، ولكن كان بصفة أساسية قتل القسوة والتعذيب السادي -تعليق النساء من أقدامهن بعد قطع أثدائهن وتقشير بشراتهن وقطع رؤوس الناس وتعليقها على الخوازيق ورطم الأطفال بالحوائط- الفكرة هي سحق الوطنية التي تدعو إلى الاستقلال والتي قد تجلب الديمقراطية الحقيقية”، وتقول نعومي كلاين “ففي الأرجنتين في فترة السبعينيات شكَّلَ الاختفاء المفاجئ لثلاثين ألف شخص -كان معظمهم من الناشطين اليساريين- على يد الطغمة العسكرية جزءًا لا يتجزأ من عملية فرض سياسات مدرسة شيكاغو على البلد تمامًا، كما أنَّ أعمال الرعب لازمت النوع نفسه من التحول الاقتصادي في تشيلي”.

والغرب كله شريك في كثير من هذه الانقلابات، ومبارك لأكثرها؛ يقول تشومسكي “الغرب الديمقراطي رحَّب بانقلاب (سوهارتو) في إندونسيا؛ لأنّه قضى على الحزب الوحيد الذي يتمتع بقاعدة شعبية عريضة، ولم يكترث بقتله نحو 700 ألف إنسان، وقد هللت بذلك فرحًا كبرى الصحف الغربية، مثل نيويورك تايمز وإيكونومست وكريستيان ساينس مونيتور!”.

وبدأت مسيرة الفشل

على الرغم من نجاح كثير من الانقلابات في السنوات الأخيرة، فإنّ الفشل بدأ يدُبُّ في قواعد اللعبة ذاتها؛ ربما كان السبب الأكبر متمثلًا في الوعي الذي تراكم لدى الأمم، الوعي بأخطار الانقلابات وبآثارها الوخيمة على السياسة والاقتصاد، فكم من دولة صفق فيها الغثاء ورقصت فيها النساء تأييدًا للعسكر، ثم اكتشف هؤلاء بعد فوات الأوان أنّ حاضرهم ومستقبلهم وكرامتهم ولقمة عيشهم وكل ما كانوا يحلمون به قد ضاع كله وضاعت معه قدرتهم على مقاومة الطاغية، وهذا هو الوعي الاضطراري الذي يحدث للشعوب إذا غفلت عن الوعي الاختياري، وقد رأينا الشعب في بوليفيا يندفع في الشوارع تطارده أشباح الانقلابات التي اجتاحت القارة كلها عدا قليل من الزوايا الغائمة، ومن قبل رأينا الشعب التركي تسيل به شوارع المدن والقرى وصورةُ الانقلاب الدموي الذي قام به كنعان إيفرين ماثلة في ذاكرته.

لكن مع ذلك فلا يكفي وعي الشعوب ولا تحركها، فهناك مسؤولية تُلقى على كاهل النظام الشرعي الحاكم، فلولا مبادرة أردوغان لاستدعاء الشعب للنزول، مع تجييشه للقوى التي بين يديه، وخروجه وإنْ في صورة خافتة بدا فيها وكأنّه يكلم الشعب من كوكب بعيد، لولا ذلك لما استطاع الشعب وحده أن يقوم بـ”كسر الانقلاب ودحره”، ولولا أنّ رئيس بوليفيا بادر إلى عزل قائد الانقلاب العميل وإلقائه خارج الشرعية لما استطاع الشعب البوليفي أن يجعل الانقلاب “يترنح” منذ لحظاته الأولى. إنّ على الرئيس الشرعي والحكومة الشرعية أن يكونوا على يقظة، وأن يستمعوا للناصحين، وأن يبادروا بشجاعة القائد والزعيم إلى استنقاذ الوطن من الأوغاد المعتدين، ومن كل قزم يثب على العرش من فوق ظهر الدبابة.

أين الملاذ؟

إنّ مؤسسات الحكم في أمريكا والغرب تتبادل الأدوار لتحقيق السيطرة والهيمنة على الأمم، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك إلا باختراقاتهم، فالبيت الأبيض له خطّ تواصل مع السياسيين، والبنتاغون يمد الجسور مع العسكريين، والاستخبارات تدير اللعبة، والتحصُّن من خطرهم جميعًا يكون بالعصامية ورفض التبعية.

المصدر : الجزبرة مباشر