انتخابات وانقلابات واستبداد.. والديمقراطية المنقذ الوحيد

الشعب البوليفي يناصر الرئيس ضد محاولة الانقلاب الفاشلة
الشعب البوليفي يناصر الرئيس ضد محاولة الانقلاب الفاشلة (الأناضول)

هذا العام 2024 يشهد انتخابات ما بين رئاسية وتشريعية في 80 بلدا، تمثل نحو نصف سكان العالم، وفق إحصائية لشبكة “بي بي سي”.

كل هذه الاستحقاقات ترفع شعار الديمقراطية، لكن ليست كلها ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة ومفهوم هذا النظام السياسي الذي يُعَد الأفضل حتى الآن في الاختيار والحكم وحل الخلافات السياسية والتوصل إلى توافقات وتقديم تنازلات متبادلة بين مختلف الأطياف والأحزاب.

هناك انتخابات عديدة حصلت بالفعل، أكبرها وأضخمها عالميا الانتخابات التشريعية في الهند (جرت على 7 مراحل خلال 44 يوما).

وهناك انتخابات رئاسية مُنتظرة في أمريكا أهم ديمقراطية في العالم (الثلاثاء 5 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل)، وهو الاستحقاق الذي يؤثر في العالم كله حتى في الدول التي بينها وبين واشنطن صراعات على النفوذ والمصالح العالمية مثل روسيا والصين.

وهناك انتخابات برلمانية مهمة في فرنسا وبريطانيا، وقبلهما جرى استحقاق رئاسي في المكسيك وإيران، وعربيا شهدت الكويت انتخاب مجلس الأمة لكن تم حله سريعا وتعطيل العمل بالدستور 4 سنوات، وهذا مقلق للديمقراطية القديمة والوحيدة في الخليج.

وشهدت موريتانيا انتخابات تقليدية في بلد كثير الانقلابات العسكرية، وتتسم انتخابات تايوان بالحرية والنزاهة، بينما الصين التي تَعُد تايوان جزءا من أراضيها وتطالب باستردادها لا تعرف للديمقراطية والانتخابات سبيلا.

وجرت انتخابات في روسيا، وهى مثل التجارب العربية المعروف نتائجها سلفا، فقد فاز بها الرئيس الحالي بوتين، مثلما يفوز الرؤساء العرب دوما في انتخابات شكلية وبنسب قياسية، فهم أقرب إلى “أنصاف الآلهة” الذين لا يجري عليهم التداول السلمي للسلطة، كما لا يفوزون بالنسب العالمية الموثوق فيها، وهى فوق الـ50% بقليل، إنما بالتسعات الثلاث المشبوهة.

والاستثناء كان خلال فترة الربيع العربي القصيرة حيث تم سريعا الإطاحة بالديمقراطية الناشئة في بعض البلدان، أو القضاء مبكرا على حلم الديمقراطية قبل أن يتجسد واقعا بإدخال بلدان ثانية في انقسامات وصراعات وحروب مدمرة، أو حدوث تغيير شكلي في بلدان ثالثة دون انعكاسات فعلية على أوضاع الشعوب.

الغرب الديمقراطي رغم المرارة منه

لا يزال الغرب هو الممثل الشرعي للعالم الحر الديمقراطي، ورغم المرارة من المواقف المخزية لبلدانه وعلى رأسها أمريكا، لدعمها الكيان الصهيوني في حرب الإبادة ضد غزة، فإن الديمقراطية هناك صارت حقيقة راسخة، ولا ينبغي التقليل من قيمة الحكم الرشيد فيها.

ومن شديد الأسف أن إسرائيل كذلك، فرغم العدوان الإجرامي على غزة دون تحقيق أي من أهدافه، ورغم الاحتجاجات الشعبية على بقاء الحكومة، والمطالبة بخضوع نتنياهو للمحاسبة، وانسحاب أحزاب منها، وتكرار دعوة المعارضة إلى إجراء انتخابات مبكرة، فإنها تواصل عملها ما دامت تتمتع بأغلبية مقاعد الكنيست.

والجيش لم يتدخل لإسقاطها، وفكرة الانقلاب العسكري لا تحدث أصلا في هذا الكيان، وهذا ضمن أسباب تفوقه على الأنظمة العربية السلطوية التي أُسست على حكم الفرد، ورسّخت هذه الآفة، ولم يعد ممكنا التغيير لا سلميا ولا ثوريا، بعد تحالف قوى الاستبداد والمصالح محليا وعربيا لهزيمة الربيع العربي.

 سرطان الانقلاب والاستبداد

أمام فضيلة الديمقراطية ونجاحاتها وبنائها للاستقرار الحقيقي للدول واستقلال السلطات وتوفير الحياة الكريمة للشعوب وشفافية ونزاهة الحكومات وتفعيل المراقبة والمحاسبة لكل تصرفاتها وخضوعها للإرادة الشعبية، هناك سوأة وسرطان الانقلاب والاستبداد.

والقارة الإفريقية في غالبية دولها تمارس الانقلابات العسكرية والحكم المستبد، وعرب إفريقيا وآسيا أيضا لا يختلفون عن بقية الأفارقة في كراهية التغيير الديمقراطي وممارسة الانقلابات المباشرة أو السياسية الالتفافية.

ولهذا تقبع دول القارة في ذيل قائمة العالم من حيث التقدم، ذلك أن هذا النوع من الحكم ومعه السلوك الانقلابي يجلبان الفقر والاستدانة والأزمات والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والسقوط في الحضيض.

لم تتقدم النيجر ومالي وبوركينا فاسو والغابون خطوة واحدة إلى الأمام بعد انقلاباتها الأخيرة، ولا تقدمت الدول التي سبقتها على هذا الطريق، ولا الدول المتمرسة في هذا العمل الشؤوم على الشعوب.

وحالة السودان مأساوية، إذ بعد ثورة شعبية أطاحت بحكم استبدادي طويل، انقلب الجنرالات الحاكمون على الثورة والشعب واستفردوا بالحكم ثم انقسموا هم على أنفسهم ودخلوا في اقتتال شنيع ضحيته الشعب نفسه.

بطولة الشعب البوليفي.. وقبله التركي

والمستغرَب أن قارة أمريكا اللاتينية التي تخلصت من الحكم العسكري ودوامة الانقلابات واتجهت إلى الديمقراطة والحكم الرشيد، تفاجئنا قبل أيام بمحاولة فاشلة يقوم بها قائد عسكري كبير في بوليفيا.

وسواء كانت عملية عسكرية منظمة أو متسرعة، أو حتى تمثيلية كما وصفها البعض، فالمطمئن أن الشعب تصدى لها وأسقطها سريعا مدافعا عن ديمقراطيته رافضا أن يعتلي الجنرالات الحكم تحت ستار من الأكاذيب المكرَّرة والوعود الخادعة كما هو دأب الضباط في جميع البلدان التي تنتكب بحكمهم ويكون مصيرها المحتوم الفشل.

جسارة شعب بوليفيا تعيد إلى الأذهان بطولات الشعب التركي الذي واجه بشجاعة نادرة محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016 على الديمقراطية والدستور ودولة القانون والإرادة الشعبية، وأيضا خرج من يزعم أن العملية كانت بعلم الحكومة لكي توظفها في رفع شعبيتها، وهذا الادعاء محض هراء، ومع هذا فالخروج الشعبي الواسع للتصدي للانقلابيين كان انعطافة مهمة لكسر دائرة الانقلابات في هذا البلد وترسيخ الديمقراطية بعد أن تذوق الأتراك حلاوتها وعاشوا الحرية والأمان واستطاعوا التعبيرعن أنفسهم كما يشاؤون دون قمع أو قهر.

أيّا تكن مخرجات الديمقراطية حتى لو أتت بقوى متطرفة يمينية أو يسارية، كما حصل في انتخابات البرلمان الأوروبي أخيرا، أو كان المتنافسون على الرئاسة متقدمين في العمر كما في أمريكا، ومهما كانت نتائجها صادمة أحيانا، فإنها تظل النظام الأفضل والأكثر أمانا وتعبيرا عن الناس ورغباتهم، وهى تقوم بتصحيح نفسها على الدوام، وهناك المعارضة التي تقف للسلطة بالمرصاد، بينما الديكتاتوريات والانقلابات تأخذ الشعوب والأوطان إلى الجحيم.

المصدر : الجزبرة مباشر