هل تتغير السياسات الإيرانية تحت رئاسة بزشكيان؟

الرئيس الإيراني الجديد (غيتي)

فوز المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان برئاسة إيران كان مفاجأة كبيرة داخل إيران وخارجها، ذلك أنه كان المرشح الإصلاحي الوحيد الذي اجتاز عقبة مجلس صيانة الدستور مع 5 مرشحين محافظين (تنازل اثنان منهم لاحقا)، ثم تمكن من الوصول إلى الدور الثاني للانتخابات في مواجهة المرشح المحافظ سعيد جليلي المدعوم بقوة من تيار المحافظين وعلى رأسه المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، كما أن هذا الفوز جاء بعد غياب طويل للإصلاحيين عن القصر الرئاسي.

لم يكن بزشكيان شخصية لامعة سياسيا بالقدر الكافي، فأعلى منصب تقلده هو وزارة الصحة في عهد الرئيس الإصلاحي الأشهر محمد خاتمي، بينما كان غالبية المرشحين المحافظين أسماء أكثر شهرة على الصعيد الإعلامي منه، مثل الأمين العام لمجلس الأمن القومي وكبير المفاوضين في الاتفاق النووي سعيد جليلي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الداخلية السابق مصطفى بور محمدي، ورئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني، لكن الظرف السياسي والاقتصادي الذي جرت فيه الانتخابات كان لصالح بزكشيان، وخاصة بعد حالة التوتر التي شهدتها إيران على خلفية مقتل الفتاة مهسا أميني على يد رجال شرطة الأخلاق، وكان لبزشكيان موقف مندد بتلك الجريمة في حينه مما جعله معبّرا عن هذا الغضب الشعبي الواسع، وجاءت الفرصة لأولئك الغاضبين ليختاروا من كان بينهم في تلك الأزمة، كما أن الوضع الاقتصادي المتأزم نتيجة الحصار الغربي وفشل الحكومات المحافظة السابقة في تحسينه جاء لصالح بزشكيان.

صلاحيات الرئيس

تبدو الانتخابات الرئاسية الإيرانية في منزلة بين منزلتين، فهي لا تطابق الانتخابات الرئاسية في الديمقراطيات الغربية ذات النظام الرئاسي ونموذجها الأبرز الولايات المتحدة، التي يُعَد الفائز فيها هو الرجل الأول في البلاد، بينما في إيران يُعَد الرجل الثاني، ولا هي تشبه الانتخابات الهزلية في المحيط المجاور لإيران خاصة المحيط العربي الذي يفتقد في معظمه أي هامش ديمقراطي أقل مما هو في إيران.

رغم أن الدستور الإيراني يجعل الكلمة العليا في كل الأمور بيد المرشد الأعلى، فإن الرئيس وفقا للدستور يرأس مجلس الوزراء، ويرأس مجلس الأمن القومي، وهو الذي يعيّن أمينه العام، وهذا المجلس هو الذي يضع الأطر للسياسات العامة للبلاد، كما أن التفويض الشعبي الممثل في أصوات الناخبين يمنح الرئيس قوة معنوية في مواجهة الجهات والسلطات الأخرى، ويمكّنه من مناقشة السياسات العليا مع المرشد الأعلى دون شعور بدونية أو نقص.

في أول تصريح للتلفزيون الرسمي عقب إعلان النتيجة، قال بزشكيان “سنمد يد الصداقة للجميع، نحن جميعنا شعب هذا البلد. علينا الاستعانة بالجميع من أجل تقدّم البلد”، وهو تصريح يرتبط بالسياسة الخارجية والسياسات الداخلية أيضا، فقوله إنه سيمد يد الصداقة للجميع رسالة انفتاح نحو الغرب بقيادة الولايات المتحدة بعد سنوات من التأزم، وتأكيده الاستعانة بالجميع من أجل تقدم البلد هي رسالة إلى الداخل الإيراني ولا سيما القوى التي تشعر بالتهميش السياسي، أو حتى بالنسبة لمعارضيه المحافظين.

هذا الإعلان خاصة في شقه الخارجي سيكون على المحك، ذلك أن السياسة الخارجية ليست ملكا حصريا للرئيس ووزير خارجيته، بل هو على الأرجح مُنفّذ لما يُتفق عليه من سياسات، يمكنه فقط المشاركة في صياغتها، لكن الكلمة العليا فيها هي دوما للمرشد الأعلى، وبالتالي فإن الرئيس حين يريد الانفتاح على الغرب وخاصة الولايات المتحدة فإن عليه أن يقنع المرشد بخططه أولا، وقد ينجح في ذلك وقد لا ينجح، ولا يستطيع أن يسير منفردا لأنه سيواجه في هذه الحالة البرلمان القادر على سحب الثقة منه.

تبريد الجبهات

قد تحتاج إيران إلى بعض التهدئة في علاقاتها الخارجية تجنبا للانزلاق في حرب شرق أوسطية شاملة تسعى حكومة نتنياهو لإشعالها حتى تنقذها من المساءلة عقب انتهاء حرب غزة، وكان إسهام إيران في إسناد المقاومة الفلسطينية واضحا للجميع، لكن هذا الإسناد تم وفق حسابات إيرانية دقيقة، استخدمت الأذرع الخارجية في عمليات الإسناد مثل حزب الله والحوثيين، وبعض المجموعات العراقية، وحين تعرضت إيران نفسها لضربة إسرائيلية فإنها ردت عليها بشكل محدود ومدروس بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وفي ظل هذا التأزم جاء فوز بزشكيان ليمنح إيران فرصة طبيعية للتهدئة، فالرجل نفسه يؤمن بهذه السياسة، وقد أعلن قناعاته خلال حملته الانتخابية، كما أعلنها في مناسبات عديدة من قبل.

وفيما يخص البرنامج النووي، فإن الرئيس الجديد جاء بعد تمهيد الأرض له من سلفه المحافظ الراحل إبراهيم رئيسي الذي توصل إلى تفاهمات جديدة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يمكن أن تكون أساسا لحل القضايا التقنية العالقة، ومن ثَم فإن بزشكيان لن يجد عقبات في طريقه نحو إنجاز اتفاق نووي جديد ربما في الفترة المتبقية من عهد بايدن الذي يسعى بدوره إلى ذلك ليساعده في الانتخابات الرئاسية الأمريكية نهاية العام.

تؤدي شخصية الرئيس ووزير خارجيته المرتقب (والمحتمل أن يكون جواد ظريف أحد أشهر وزراء الخارجية السابقين) دورا مهمّا في رسم السياسة الخارجية بالتنسيق مع مكتب المرشد الأعلى والبرلمان والحرس الثوري، وكلما كان الرئيس صاحب شخصية كاريزمية نشطة فإنه سيكون قادرا على وضع بصمته على السياسة الخارجية، وهذا ما ستكشفه الأيام والشهور المقبلة.

المصدر : الجزيرة مباشر