هوجة ضد “عرابي” في إسرائيل

المحامي الفلسطيني أمل عرابي (منصات التواصل)

لم يقف “عرابي” ممتطيا فرسه العربي الأصيل أمام أي قصر في الدولة العبرية، ولم يقد مظاهرة أمام رئيس الدولة أو الحكومة الصهيونية، كما فعل الزعيم المصري “أحمد عرابي” قبل 143 عاما عندما قاد ضباطا وجنودا مصريين وتحدى حاكم مصر وقتها، وتجمهر مع رفاقه أمام قصر عابدين بوسط القاهرة ليطلب مقابلة الخديو توفيق ويعرض عليه مطالب المساواة والعدل ويطالبه برد المظالم التي يشكو منها المصريون في الجيش الذي كان يسيطر عليه ضباط شراكسة وأتراك ومماليك.

لم يدعُ “عرابي” الشعب الفلسطيني إلى الثورة ولم تنخرط معه فئات من المؤيدين له ليقود تمردا أو ما شابه كما فعل الرجل الذي عاش بين عامي 1911 و1841، وعُدَّ خارجا عن الباب العالي رأس الدولة العثمانية في إسطنبول، ورغم أنه لم يتبن فكرة عزل الحاكم ولم يتورط في التعاون مع القوى الأجنبية وقتها فقد اتُّهم بالخيانة وصدر ضده حكم بالإعدام قبل تخفيف الحكم ونفيه.

النسخة الفلسطينية

وبالمثل فإن المحامي الفلسطيني “أمل عرابي” نال اتهامات كثيرة بينها الخيانة من اليمين المتطرف الذي يحكم “إسرائيل” التي نشأت على أرض فلسطين التاريخية بتواطؤ من قوى الاستعمار الغربي عام 1948.

يبلغ تعداد سكان الكيان الصهيوني نحو 9.7 ملايين نسمة وفقا لدائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل، وتبلغ نسبة السكان الفلسطينيين منهم نحو 21% بينما تصل كتلتهم بين الناخبين الذين لهم حق التصويت في الانتخابات نحو 16%. وينتمي “أمل عرابي” المحامي الشاب والناشط الحقوقي والسياسي إلى الجماعة الأكثر امتحانا في عروبتها، وهم الفلسطينيون الذين يعيشون داخل إسرائيل المعروفين بـ”عرب 48″ أو “عرب الداخل”.

درس “عرابي” في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على شهادة في إدارة المشروعات الاجتماعية، كما اختير “أمل” الذي يدافع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل عضوا بمجلس إدارة منظمة العفو الدولية منذ عام 2021، ولأنه يجيد اللغة العبرية فهو يكتب مقالات رأي سياسية في الصحف العبرية، ويقدم البودكاست القانوني في موقع (عرب 48).

في مرمى النيران

بسبب نشاطه الحقوقي فإن “أمل عرابي” هدف دائم مثل كثير من العرب في إسرائيل للاتهامات والتحريض المتواصل ضدهم من اليمين المتطرف الذي يسيطر على إسرائيل حاليا في حكومة يتزعمها “بنيامين نتنياهو” بعد نجاحه في الانتخابات العامة عام 2022، لكنه كوَّن ائتلافا يمينيا بزعامة حزب الليكود، وضم فيه غلاة المتطرفين الذين لم يحلموا يوما بالجلوس في مقاعد الحكم، مثل وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” ووزير المالية “بتسلئيل سموتريتش” ووزيرة المستوطنات “أوريت ستروك”.

يزدحم المجتمع الإسرائيلي بالمتطرفين الذين يتسابقون في ملاحقة الناشطين العرب شخصيا أو قانونيا، كما يقول ويفعل المحامي المثير للجدل “شاي جليك” مدير منظمة “بتسالمو” اليمينية، الذي يهاجم المدافعين عن الحق والثقافة الفلسطينية مثل ” لبنى زوابي” و”رامي يونس” و” أمل عرابي”.

شرطة التواصل الاجتماعي

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة المنكوب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سيطر الاتجاه اليميني على توجيه الرأي العام في إسرائيل بينما أصبح العرب ملاحَقين ومراقَبين على مواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك انسحبت قطاعات كبيرة منهم من مشاركة كل ما له علاقة بحالة الحرب التي تعيشها إسرائيل، وتوسع الاشتباكات في جبهات عدة، وتزايد الرفض والانتقادات على خلفية الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي تمارسها إسرائيل.

المحامي الفلسطيني “أمل عرابي” أطلق تغريدة على حساباته الشخصية وصف فيها “إيتمار بن غفير” بأنه “المتحدث باسم اليمين الفاشي والنازي الجديد في إسرائيل”، لكن المحامي اليميني “شاي غليك” قدَّم شكوى إلى هيئة البث الإسرائيلية ضد عرابي الذي اضطر إلى حذف التغريدة وقتها، وقد عوقب بالمنع من الظهور في التلفزيون الرسمي الإسرائيلي، لكن “غليك” قدَّم شكوى أخرى إلى لجنة الأخلاق في نقابة المحامين ضد “أمل عرابي” لأنه نشر خطابا للأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، ووصفه فقط بأنه “خطاب ممتاز”، وغرد باللغة الإنجليزية “لا تتوقفوا عن التحدث عن فلسطين”، وبسبب ذلك تم تحويل عرابي إلى التحقيق.

مصاصو الدماء

الأديبة والكاتبة الإسرائيلية “إيريس ليعال”، سبق أن انتقدت ما ترتكبه حكومة نتنياهو من جرائم في قطاع غزة، وكتبت في تغريدة لها على منصة إكس “سندفع ثمنا باهظا لما فعلته إسرائيل في غزة، إنه خراب بمستويات توراتية، إنه قتل جماعي لمدنيين منهم أطفال، وعلى ما يبدو أغلب الجمهور يعتقد أن هذا عقاب مبرَّر، ولا فكرة لديه كيف نبدو نحن البرابرة مصاصو الدماء الجدد في العالم”.

“ليعال” كتبت قبل أيام في صحيفة “هآرتس” العبرية مقالا انتقدت فيه ما يجري بحق المحامي الحقوقي “أمل عرابي”، وحذرت من أنه يتعرض لخطر تعليق عضويته أو سحب رخصته للمحاماة بسبب شيء ما (رأي) كتبه على حسابه الشخصي، لكنها كشفت التمييز الذي يواجه العرب ومنهم “عرابي” عندما اعترفت بأنها لو كانت هي نفسها كتبت ما قاله عرابي “لمر بهدوء”.

“مجانين إسرائيل”

تنتقد الأديبة الإسرائيلية ما رأته “لا مبالاة المعسكر الليبرالي تجاه الفاشية العرقية، وإزاء صور الأطفال الذين يُقتلون في غزة”، كما وصفت المتطرفين بأنهم “مجانين” و”أبواق نتنياهو” لأنهم يشجعون الاحتلال والسلب وإهانة سكان غزة ويستمتعون بذلك.

وفي معرض دفاعها عن “عرابي” وعن حق الفلسطينيين في التعبير عن آرائهم بكل ما تحتويه من غضب لما يحدث في غزة، رأت “ليعال” أن تخلي المعسكرين الليبرالي واليساري عن حق الفلسطينيين في حرية التعبير يسمح لليمين بوضع حدود وقواعد لحرية التعبير، كما أن الصمت إزاء ذلك سيدفع حتما إلى تراجع حرية التعبير حتى بالنسبة لمن يوافقون على قمع الفلسطينيين الذين يعيشون في المجتمع الإسرائيلي.

وتضرب “إيريس” مثالا لما تحذر منه عندما تتهكم من أن حرية التعبير في إسرائيل تتيح سب وشتم “بيبي” (نتنياهو) وأفراد عائلته، واعتبار هذا أمرا جيدا وصحيا، لكن حرية التعبير لمواطن عربي صرخ إزاء الموت والدمار لأبناء شعبه، هذا غير مقبول وليس مهمّا.

قليلون ضد الهوجة

لم يجد “أمل عرابي” من يقف معه ضد هوجة اليمين المتطرف في إسرائيل تجاه حقه في التعبير ومحاولة قمعه وملاحقته، وسحب رخصة المحاماة منه، وتُعَد “إيريس ليعال” من الأصوات القليلة التي دافعت عن حقه في التعبير، ورأت ما يجري معه “ملاحقة مكارثية”، إذ حذرت من أن عدم المبالاة بقمع أشخاص مثل عرابي، الذي يعمل طوال حياته المهنية من أجل الشراكة الإسرائيلية الفلسطينية، سيسيء أكثر إلى صورة إسرائيل، لكنها ختمت مقالها محاولة تنبيه واستثارة من يؤمنون بحرية التعبير “إذا كانت هذه هي صورتنا، فمن الجدير أن تعرفوا بأننا نعطي ستروك وبن غفير وسموتريتش مفاتيح الدولة”.

الهجمة أو الهوجة ضد “عرابي” ومن يشبهه من المدافعين عن الحق الفلسطيني لن تكون الأخيرة في مجتمع يفخر بقتل الفلسطينيين وباحتلال أراضيهم وتهجيرهم منها، وستظل “إيريس ليعال” ومن على شاكلتها استثناء في مجتمع تشكل العنصرية أحد مكوناته الرئيسية.

المصدر : الجزبرة مباشر