التغيير السلمي للسلطة يفتح أبواب الأمل أمام الشعوب

متظاهرو السترات الصفراء في شوارع باريس للسبت العشرين على التوالي
متظاهرو السترات الصفراء في شوارع باريس (غيتي)

 (1) أصحاب السيادة

في 17 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018 اندلعت مظاهرات غاضبة في فرنسا وصل عدد المتظاهرين فيها إلى أكثر من 300 ألف شخص على أثر زيادة الضرائب على الوقود.

وأطلق اسم السترات الصفراء على حركة المحتجين لأنهم خرجوا إلى الشوارع وهم يرتدون السترات الصفراء الخاصة بسائقي السيارات. المظاهرات بدأت بمطلب وحيد وهو تخفيض الضرائب على الوقود، ولكن سرعان ما تعددت المطالب ووجدت الحركة صدى واسعا بين فئات متعددة من المجتمع الفرنسي عانت من قرارات الرئيس الفرنسي ماكرون الاقتصادية النيوليبرالية.

حينها أظهر ماكرون وحكومته مرونة أمام مطالب الحركة لتهدئة الأمور، ومع مرور الوقت انطفأ وهج السترات الصفراء وعاد ماكرون إلى سابق عهده يصم أذنيه عن مطالب الشعب الفرنسي الذي زادت معاناته نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

رغم انتخاب ماكرون لفترة رئاسية ثانية خوفا من وصول اليمين المتطرف إلى قصر الإليزيه فإن شعبية ماكرون والثقة في حسن إدارته للبلاد تدنت كثيرا، وأصبح الرئيس وحكومته لا يمثلان للشعب الفرنسي طوق النجاة؛ مما دفع الناخب الفرنسي إلى البحث عن بديل في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وجاءت الجولة الأولى من الانتخابات بمثابة زلزال استيقظ على أثره الفرنسيون ليصححوا اختيارهم ويعطوا أصواتهم لتحالف اليسار، ثم الوسط، ثم اليمين المتطرف.

وسيكون لزاما على الرئيس ماكرون تشكيل حكومة تحالف مع اليسار، وهو ما سيكون له تأثير في سياسات البلاد الاقتصادية وأيضا السياسة الخارجية، فالجبهة الشعبية اليسارية وعدت بالاعتراف بدولة فلسطين في غضون 15 يوما، وهو موقف لم يكن ماكرون ليتخذه أبدا.

نتيجة الانتخابات أجابت عن سؤال طالما سألت نفسي عنه: لماذا لم تتحول مظاهرات السترات الصفراء إلى ربيع عربي كالذي عشناه؟ فتعم الفوضى وقد تتحول إلى حروب أهلية وصراع عنيف على السلطة. والجواب ببساطة هو أن الديمقراطية تجعل الشعب صاحب السيادة في وطنه، والشعب الفرنسي أدرك أنه يستطيع الاحتجاج والتغيير عبر الانتخابات ليستعيد حقوقه المهدرة ويدافع عن مطالبه المشروعة التي تجاهلها الرئيس ماكرون متعمدا أو عن غير قصد.

(2) فرق كبير بين الاستقرار والجمود

فاز حزب العمال فوزا ساحقا على حزب المحافظين في بريطانيا، فاعترف رئيس الوزراء المحافظ ريشي سوناك بالهزيمة وأقر بتحمله المسؤولية عنها، وقدم استقالته للملك تشارلز الذي كلف رئيس حزب العمال كير ستارمر بتشكيل الحكومة.

أخفق حزب المحافظين في إدارة البلاد وتراجعت في عهده الخدمات المقدمة للمواطن البريطاني، الأعذار التي يقدمها حكام العالم الثالث لتبرير فشلهم لا تجدي مع شعوب تراقب عن طريق نوابها في البرلمان أداء الحكومة والوزراء، وتشاركها الصحافة، التي تتمتع بحرية التعبير، في كونها صوت الناس والمعبرة بصدق عن آرائهم. ظل حزب المحافظين يحكم بريطانيا طوال 14 سنة، ولم يتحدث أحد عن أهمية الاستقرار الذي تحقق في عهد حزب المحافظين، لكن كان الحديث عن الجمود الذي أصابه والعطب الذي ألم بمفاصل حكومات المحافظين المتعاقبة وجعلها عاجزة عن إيجاد حلول فعالة في ملفات تراكم فيها الفشل وعلى رأسها: الملف الاقتصادي، والهجرة، والصحة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. وكان فوز حزب العمال الساحق نتيجة طبيعية لفشل حزب المحافظين في كسب ثقة الشعب البريطاني الذي عزم على التغيير ولم يرهبه أحد بأكذوبة: أن التغيير عدو الاستقرار وأنه قد يعرض البلاد للخطر.

(3) رياح التغيير تهب على طهران

الانتخابات البريطانية والفرنسية استحوذت على اهتمام الإعلام الغربي، لكن الانتخابات الرئاسية الإيرانية تمت متابعتها باهتمام من قبل قادة الغرب والمهتمين بالشرق الأوسط وخرائط النفوذ المستحدثة.

منذ اندلاع طوفان الأقصى والمنطقة كلها على سطح صفيح ساخن، فمحور المقاومة المدعوم إيرانيا أعلن عن مساندته لحماس في حربها ضد جيش الاحتلال الصهيوني، وخاصة بعد حصار إسرائيل لغزة، وتجويع أهلها والمجازر التي ترتكبها في حقهم، وما أصاب القطاع من تدمير لم يسبق له مثيل. إيران قوة إقليمية وصاحبة نفوذ لكن لديها تحديات كبيرة داخليا وخارجيا، فالعقوبات الغربية على الجمهورية الإسلامية تساهم في غلاء المعيشة على المواطنين هناك، كما أن تكلفة دعم وكلاء إيران في المنطقة تمثل عبئًا على ميزانية الدولة الإيرانية.

عرفت إيران مظاهرات ضخمة عام 2022 بعد وفاة الفتاة العشرينية مهسا أميني على أثر احتجازها من قبل شرطة الأخلاق بتهمة انتهاك قوانين غطاء الشعر.

المظاهرات بدأت باحتجاج النساء الإيرانيات على قوانين الحجاب الصارمة لكنها توسعت لتضم طلاب الجامعات وفئات عديدة من المجتمع الإيراني تظاهروا ضد النظام وطالبوا بسقوط الطاغية، وتعامل النظام الإيراني بعنف مع المظاهرات واعتقلت الأجهزة الأمنية أعدادا ضخمة وقدمت عددا كبيرا منهم إلى المحاكمة.

المظاهرات أظهرت الانقسامات الداخلية وهو آخر شيء يريده أو يتسامح معه النظام الإيراني وهو يواجه تحديات خارجية مقلقة.

فوز الإصلاحي مسعود بزشكيان على المحافظ سعيد جليلي قد يساهم في تخفيف الاحتقان الداخلي وعودة الأمل إلى نفوس الإيرانيين في إمكانية التغيير عبر صندوق الاقتراع بالتصويت لصالح التيار الإصلاحي، فالإيرانيون يأملون أن يكون وصول رئيس إصلاحي إلى الحكم عاملا إيجابيا في تخفيف قيود التيار المحافظ المتشدد عليهم وربما يكون مؤشرا للغرب في إمكانية عودة مفاوضات الملف النووي الإيراني ومن ثم رفع العقوبات عن إيران ومن ثم تحسين معيشة الإيرانيين.

عدم تدخل المرشد في مجريات الانتخابات لصالح التيار المتشدد بادرة طيبة ودليل على أن النظام الإيراني يتمتع بالقدرة على القراءة الجيدة للمشهد الداخلي والخارجي وإدراكه أن رضا الإيرانيين وكسب ثقتهم يجب أن يكون هدف أي نظام يريد أن يصنع إنجازا ويحقق أهدافه الاستراتيجية.

أنظمة الحكم التي تغلق أبواب الأمل في التغيير السلمي للسلطة أمام شعوبها مآلها الزوال، الشعوب المقهورة التي فقدت الثقة في نظام حكمها لا تصنع إنجازات، بل تدخل مرحلة إحباط ويأس وتظل عالقة في دوامة الدوائر المغلقة.

المصدر : الجزبرة مباشر