الوزير وأزمة الدكتوراة المضروبة.. ما الحل؟

وزير التعليم المصري صاحب مشكلة الدكتوراة (منصات التواصل)

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، تفجُّر “فضيحة مُثيرة” أثناء ولاية الرئيس الثاني والأربعين بيل كلينتون التي امتدت فترتين (1993 – 2001) تتعلق بممارسة كلينتون (49 عاما وقتها)، الحب في إحدى غرف مكتبه الرئاسي، مع فتاة متدربة في البيت الأبيض تُدعى مونيكا لوينسكي (22 عاما حينذاك).

الفضيحة ظهرت للعلن عام 1998، وكانت العلاقة بين الرئيس والمتدربة عامي 1995 و1996. قامت الدنيا ولم تقعُد في أمريكا، حيث كشفت تحقيقات بشأن قضية أخرى عن هذه العلاقة. حين تم استدعاء الفتاة مونيكا، للإدلاء بشهادتها في قضية أخرى، فأنكرت علاقتها بالرئيس، بينما روت في مكالمات تلفونية (مُسجلة)، مع صديقة لها، تفاصيل علاقتها مع كلينتون، ووصلت التسجيلات إلى المُحقق.

القضية اشتهرت بـ”فضيحة مونيكا لوينسكي”، وشغلت الصحافة العالمية. انتهى التحقيق إلى إدانة كلينتون بممارسة علاقة غير مشروعة مع مونيكا.

الكونغرس شرعَ في إجراءات عزل الرئيس كلينتون (الذي ينتمي للحزب الديمقراطي)، ووافق مجلس النواب (وأغلبيته جمهورية) على عزله، إلا أن مجلس الشيوخ (وأغلبيته ديمقراطية)، أنقذه من العزل.

لاحقًا، وبعد الإنكار تحت القسم، اعترف كلينتون في مؤتمر صحفي، بعلاقته مع مونيكا، واعتذر عن “الكذب”.

يعنينا أن “إدانة” كلينتون قضائيا، وسياسيا، وشعبيا.. لم تكن بسبب “العلاقة” مع مونيكا، فقد جرت بـ”التراضي” بينه والفتاة (وهي راشدة)، ومن ثم فلا مشكلة هناك.

القضية تمحورت حول إتيان كلينتون بهذه الأفعال، أثناء ممارسة عمله الرئاسي، والخشية أن تكون قراراته أو بعضها قد تأثرت بهذه العلاقة. أما الجريمة الكبرى، التي كادت تعصف بالرئيس كلينتون، وتورده موارد الهلاك، فهي إقدامه على “الكذب”، فهذه الجريمة لا تُغتفر هناك. فالرؤساء الأمريكان، يمكنهم ممارسة الكذب على العالم (مثلما يفعل الرئيس جو بايدن وإدارته بشأن غزة)، فهذا مما لا يشغل المواطن الأميركي. أما الكذب على الشعب، فهو جريمة لا تغتفر، وفضيحة مُشينة، ومُسيئة، يصعُب التهاون معها.

كذب وغش وتدليس

تذكرت هذه القصة، وانتابني الحزن الشديد، والأسى على حالنا في العالم الثالث، بمناسبة فضيحة تعيين وزير التعليم في الحكومة المصرية الجديدة محمد عبد اللطيف، الذي تبين اقترافه الكذب في سيرته الذاتية، وإدخال الغش والتدليس على “الجهات المعنية”، التي فاتها التحقق من مؤهلاته.

ادعى الوزير حصوله على درجتي الماجيستير والدكتوراة من أمريكا، ثم تبيّن أنها درجات وهمية وشهادات مضروبة. فهي مُجرد أوراق مكتوبة بالإنجليزية لا قيمة لها، جرى شراؤها من مكاتب تجارية، مقابل مبلغ من المال. لا يغير من هذا أن تكون هذه الشهادات موثقة من قنصلياتنا بالخارج، فالتوثيق سواء أجنبي أو مصري يكون مصحوبا، بعبارة: “أنه لا يُعد إقرارا بالشهادة”.

في مصرنا المحروسة، اندفعت وسائل إعلام موالية للحكومة، في التبرير للوزير، وشهاداته المضروبة، في حين يزداد الجدل اشتعالا على “منصات التواصل الاجتماعي”، التي انفردت بفضح الوزير، وكذب سيرته الذاتية، وزيف مؤهلاته العلمية؛ مما فتح الباب للتشكيك في حصوله على البكالوريوس.

الأدهى من ذلك هو تورط رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي في الدفاع عن الوزير (الثلاثاء) بالتقليل من أهمية الدكتوراة والماجيستير، و”الإيحاء” بأن شهادات “الوزير” سليمة وموثقة، مُدعيا اختياره وفقا لمعيار الكفاءة، والقدرة على إدارة ملف التعليم. لا أدري أين علامات الكفاءة؟ “مدبولي” مُحق فيما ذهب إليه من أن هذه الدرجات العُليا ليست من شرائط تولي الوزارات. فـ”الوزير” منصب سياسي، والمُتبع في الدول المتقدمة أن الوزير “سياسي”، ولديه رؤية سياسية، تتم ترجمتها إلى مجالات شتى، ومنها مجال وزارته (التعليم في حالتنا)، مع وجود مؤسسات راسخة، ترسم السياسات والخطط العاجلة والآجلة.

 تواري الساسة وغلبة البيزنس

في “بلدنا” تغيب السياسة، ويتوارى الساسة أصحاب الرؤى، اختياريا، أو بإزاحتهم، تغييبا، وتجاهُلا لتتم الاستعانة بأهل الخبرة، أو التخصص الأكاديمي الملائم للوزارة المعنية. مع تراجع مكانة التعليم في سلم أولويات الحكومة، وما يعتري مؤسساتنا، من وهن، وربما تلاش، أمام سلطة الحاكم، أو الوزير، تبدو الغلبة لأصحاب البيزنس، فوزير التعليم -مثل غيره- لا يبدو مالكا لأي خبرة سوى الاتجار في التعليم الخاص. بعد انكشاف أكذوبة درجتي الماجستير والدكتوراة، لم يبق لهذا الوزير من مؤهلات سوى إدارته لمدرسة خاصة (مصروفاتها 200 ألف جنيه سنويا)، مملوكة للسيدة والدته. بما لا يؤهله للقيام بأمر وزارة بهذه الأهمية، في ظل احتلال التعليم المصري للمركز الأخير أو السابق له على مقاييس جودة التعليم الدولية، إلا إذا كانت مهمته “خصخصة” مدارس التعليم العام (على غرار تأجير المستشفيات الحكومية). إذا صح هذا الافتراض، فهو يفوق احتمال السواد الأعظم من المصريين، الذين يطحنهم الغلاء، ويُعجزهم عن تدبير نفقات تعليم أولادهم في المدارس الحكومية، فيزداد التسرب من التعليم.

جريمة أخلاقية وإثم عظيم

“الكذب” بشأن “الماجستير والدكتوراة”، بدون الحاجة إليهما، يحول دون تولي صاحبهما أي منصب، خصوصا “وزارة التعليم”؛ إذ إن من مهام مدارسها إكساب الطلاب القيم والسلوكيات المحمودة، التي ليس من بينها الكذب أو الغش أو التدليس. كان على “رئيس الحكومة” مدبولي -ولا يزال واجبا- إقالة وزير التعليم، حفاظا على ما بقي من سمعة لتعليمنا المُتهاوي إهمالا.

وما كان له التورط في دعم وزيره على الباطل، والدفاع عما اقترفه من آثام. فـ”الكذب” هُنا وإن كان غير مُجرَّم قانونا، فهو جريمة أخلاقية مقيتة، وإثم عظيم، وهو مع الغش يجردان الشخص الذي يقترفهما من الصلاحية للعمل العام. مثل هذا الشخص، يمكنه ارتكاب أفعال أشد خطرا، وجلب مشكلات أفظع في مجال عمله. ليتنا ندرك أننا أولى من الأمريكان، والغربيين، بتنحية رذائل الكذب والغش والتدليس من حياتنا، وإعلاء قيمة التعليم وأهميته.. لو فعلنا لما كان هذا حالنا.

المصدر : الجزبرة مباشر