حق المعجب في رد الصفعة.. «نمبر وان» و«الهضبة» ومأزق الوعي العربي

الفنان فريد الأطرش (منصات التواصل)

رغم غضب العرب في الواقع وفي وسائل التواصل الاجتماعي لحرب الإبادة في غزة، وزيادة الضغوط الاقتصادية في معظم الدول العربية، فقد رصدنا “احتفال” الكثيرين بصفع معجب لمن يصف نفسه بـ”نمبر وان” بعد قيامه بصفعه.

نرفض اختيار الصفعات كأسلوب لإنهاء المضايقات، فهناك بدائل أفضل وأرقى وحازمة، ونمقت المثل “الكريه”: “يا بخت من بات مظلوم ولا يبات ظالم”، فحق كل إنسان رد الظلم عن نفسه.

اختار الصفع

نتوقف عند أسباب الاحتفال واختلاف ردود الأفعال عما حدث مؤخرًا ممن يطلق عليه البعض لقب “الهضبة”.

فمع صافع “نمبر وان” احتفال ضخم بالصفعة السريعة وتوقف القليلون عند شتم المعجب والد الممثل أثناء تصوير “فيديو” معه، فغضب الممثل وحاول خطف الهاتف من صاحبه وصفعه ونال الرد فورًا.

كان يمكن للممثل الاستعانة بالأمن لحل المشكلة، لكنه اختار الصفع ربما لأن الهضبة وجد من “يبرر” له صفع معجب ألح على التقاط صورة معه، وزعموا أنه يكره الاقتراب منه رغم انتشار صور كثيرة سابقة مع معجبين يقتربون منه، ومع “مسؤولين” يضعون أيديهم فوق كتفه وهو يبتسم ابتسامة أم وجدت طفلها “المفقود” منذ سنوات بعد فقدان الأمل في العثور عليه.

لن نجد سخرية ممن ضرب “نمبر وان”، فقد ضربه في مكان يرتاده الأثرياء، ووجدنا سخرية مرة وسخيفة ممن تعرض للصفع من المدعو الهضبة، ربما لسمار لون بشرته أو لتوهم فقره، أو لأنه ارتبك ولم يرد الصفعة ربما لكثرة حراس المطرب الذين سارعوا بإبعاده، واختلف الأمر مع الممثل الذي كان بعيدًا عن حراسه.

ثغرات وتشنج

تعرض المصفوع من الهضبة لكم رهيب من الأكاذيب ومن بعض من يُطلق عليهم الشخصيات العامة، ولاحظنا “التشنج” في الدفاع عنه في وجه الهجوم المبرر عليه وانتقاد تصرفه المسيء، واكتشفنا ثغرات في الوعي العربي يجب الانتباه لها حتى لا تتسع.

يقول ماركس: “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”، ونرى أن وعينا هو الذي “يفرض” على الآخرين الحدود التي يتعاملون بها مع “عقولنا” ومع وعينا، فلا تكون “مستباحة” لما يلقونه إلينا بلا احترام “نستحقه”.

فقد صدعونا “بالتقديس” للمشاهير، وتجاهل أن غالبيتهم “يستطيعون” تحمل الإساءات عندما تأتيهم من أشخاص يمتلكون النفوذ أو المال أو كليهما، ومن يتقبل أو يبرر صفع غيره إما أن يتمنى ذلك “ولا” يستطيع فعله أو يفعله، والأسوأ يقبل بحدوثه لنفسه، ولذا يستغرب من يرفضه ويصفه بأسوأ الصفات، لأنه لا يتحمل رؤية الرأس المرفوع ولا الوعي غير المأزوم، فلا يوجد ما يبررها إلا إذا كانت ردًا لصفعة.

عنف وإهانة

قد يبرر البعض “شماتة” الكثيرين في “نمبر وان” لاستفزازه للناس بصور يتباهى بها بالثراء وبممتلكاته وطائرته الخاصة وهذا مرفوض بالطبع، بينما وصف الهضبة سائقه الخاص “بالحيوان” وانهالت التبريرات بأنه كان “يتبسط” معه وكأنه فرد من أسرته!!، وكأن من الطبيعي أن يصف “الفنان” أسرته بهذا الوصف!.

ثم تعامل بعنف بيديه مع مهندس للصوت في فرقته، وأيضًا تسارعت التبريرات بأنه لا يقصد شيئًا!!.

تناسى “ألتراس” الهضبة صراخه مرات عدة في معجبين طلبوا منه أداء أغانٍ معينة، وقال بعنجهية تتناقض مع “إحساس” فنان: “أنا وحدي أقرر ماذا أغني!!”، وكأن من يدفع الحضور حفلاته يجب أن يخضع له، وتجاهلوا إهانته لممثلة أعلن ارتباطه بها عاطفيًا، ثم بعد انتهاء الارتباط قال إنها كانت فقط “جزء” من فريقه وسخر منها.

ودافع غالبية الممثلين عنه ونشطت اللجان الإلكترونية في الهجوم على المصفوع، وألقى البعض اللوم عليه فهو تافه يريد التقاط صورة مع مطرب وغزة تباد، ولم يهاجموا المطرب والجمهور الذي سمعه وغزة تباد.

بدأ الهضبة في صفع معجب، وبدأ معجب في رد الصفعة لممثل، ولن يكون الأخير كما “نتمنى” في وضع من يطلقون على أنفسهم لقب فنانين في “أحجامهم” الطبيعية، فلا يتناسون أن الفنانين يجب أن يحترموا ويتعاملوا برقي مع الجمهور الذي منحهم الشهرة والثراء أيضًا، والتعالي عليه مرفوض ويجب ردعهم.

ذكرت الفنانة مريم فخر الدين أنها دعت الفنان والموسيقار فريد الأطرش لمنزلها ورأت سيارته أمام البيت وتأخر كثيرًا في الصعود، ولما سألته قال لها ببساطة: قابلت حارس البيت، وقال إنه يحب سماع صوتي ولا يملك ثمن الذهاب لحفلاتي، فسألته هل تحب أن أغني لك الآن؟ فرحّب، فغنيت له وتجمع حراس العمارات المجاورة واستمعوا جميعًا لغنائي لهم وحدهم”.

قالت مريم: “هل تركتني أنتظرك لتغني لهم؟”، فرد باعتراض: “هم جمهوري”.

من حق أي جمهور أن يتعامل معه مطربه أو ممثله المفضل باحترام، ومن “يعجز” أو يختار ألا يفعل ذلك فليسعه بيته، وليخسأ من يحرضون الناس على قبول ما ينتقص لتقديرهم لأنفسهم فتقدير الإنسان واحترامه لنفسه هو “وقود” الوعي في كل زمان ومكان.

وكأنهم آلهة!

يشمل مأزق الوعي الكثير من “المنتسبين” للفن، فبإحاطتهم لأنفسهم “بالتطبيل” المتواصل وتصويرهم وكأنهم “آلهة” تسير على الأرض يتسبب في “إتلاف” وعيهم، كمن يتناول المخدرات ويدمنها فيتأثر بالسلب إدراكه، ولا يستطيع “التمييز” الجيد بعيدًا عما يدمنه ويصبح من يعطونه المخدرات هم “المتحكمون” في وعيه وإدراكه لما يحدث من حوله ولو بعد حين، وهذا شأنهم وحدهم.

يعنينا الحفاظ على الوعي العربي بعيدًا عن صراخ معظم الفضائيات وغالبية وسائل التواصل الاجتماعي وسعيهم المتعمد أو غير المقصود لصنع حالات “مشوهة” من الوعي العربي، فيلبسون الخطأ الواضح والفاضح ملابس تخفي “عوراته”، ويلقون بحجارات ملوثة على الصواب، ليتوارى خجلًا ويضعونه في خانة “الدفاع” عن النفس، وهو أسوأ ما يمكن أن يفعله إنسان في وعيه.

المصدر : الجزيرة مباشر