“ميتا” والهيمنة الرقمية الغربية!

كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة وجها من وجوه الهيمنة الغربية، يتمثل في الهيمنة الرقمية، التي من خلالها تمارس منصات التواصل الاجتماعي استبدادا رقميا فجّا، ومنها المنصات التابعة لشركة “ميتا” الأمريكية.
تعمل شركة “ميتا” خلال منصاتها على إسكات كل صوت داعم للحق الفلسطيني، وذلك بحذف وإزالة المحتوى المتعلق بالسردية الفلسطينية، وفرض قيم ومعايير ومصطلحات محددة، وفقا للرؤية الغربية الإسرائيلية، يراد من الجميع قبولها والخضوع لها.
“استبداد المنصة”
مؤخرا، أعلنت شركة “ميتا”، أنها توصلت بعد خمسة أشهر من البحث إلى قرار نهائي بحظر استخدام كلمة “صهيوني” في منصاتها؛ بدعوى أنها “تستهدف اليهود والإسرائيليين وتجردهم من الطابع الإنساني وتلحق الأذى بهم وتنكر وجودهم”، وذلك حسب إعلان الشركة!
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
في المقابل، أعلنت شركة “ميتا” تعديل سياساتها اتجاه كلمة “شهيد” باعتبارها كلمة محايدة بشروط؛ مما سيسمح باستخدامها على منصتي فيسبوك وإنستغرام من دون أن يتعرض المحتوى الذي يتضمنها للإزالة.
وكانت السياسة السابقة للشركة تفرض حظرًا شاملًا على كلمة “شهيد” وحدها، مما أدى إلى حذف غير عادل لكثير من المحتوى الذي يتضمن هذه الكلمة.
لم يكن إعلان شركة “ميتا” حظر كلمة “صهيوني” سوى ممارسة لما يمكن أن نسميه “استبداد المنصة”، الذي يمثل حلقة في سلسلة ممتدة من الاستبداد الرقمي الغربي، ومحاولة لإظهار القدرة على السيطرة والتواصل، بغية التأثير في قرارات الأفراد، عبر فرض معايير محددة، في إطار صراع بين القيم يزداد قوة من وقت لآخر.
وسيلة للتأثير والهيمنة
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، التي يُقدّر عدد مستخدميها بنحو 9 مليارات، سعت أمريكا والغرب وإسرائيل لتوظيفها في التأثير الدولي وفرض الهيمنة، وتعكس ذلك بوضوح حالة الاستقطاب المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي.
ومن المعروف أن هناك ارتباطا وتعاونا وثيقا بين أجهزة الأمن الأمريكية والغربية، ومنصات التواصل الأمريكية مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها، والحال كذلك بالنسبة لمنصات التواصل الأخرى مثل “تيك توك”، التي لها ارتباط بأجهزة الأمن الصينية.
انحياز واضح
في تقرير عام 2022 الذي أصدرته شبكة “BSR Networks” جاء في التقرير أن شركة “ميتا” خلال أحداث مايو/أيار 2021، أفرطت في حظر المحتوى المتعلق بفلسطين، عبر إزالة المنشورات أو تركها من دون مبرّرات مقبولة، وعلى الجانب الآخر، قللت من حالات حظر المحتوى الإسرائيلي.
كذلك، كشف التقرير عن تفاقم الفجوة وعدم المساواة في التعامل مع المحتوى العربي والمحتوى العبري، لصالح الأخير، إذ عمدت أنظمة الشركة إلى رصد أكبر كم قد يخالف سياساتها باللغة العربية.
ومن ناحية أخرى، فإن شركة “ميتا” تتبع في سياساتها المعايير الجيوسياسية الأميركية.
فعلى سبيل المثال، عند النظر إلى قائمة المنظمات والأفراد الخطرين الخاصة بشركة “ميتا” سنجد انحيازا، حيث إنها تضم جهات من منطقة الشرق الأوسط، وتمثل المنظمات الناطقة باللغة العربية 70% من المنظمات المدرجة في المستوى الأول بشكل أساسي. ويرجع السبب في ذلك إلى تصنيف الولايات المتّحدة لهذه المنظّمات على أنّها إرهابية.
إلى جانب الحرب الوحشية ضد الفلسطينيين في غزة، هناك حرب تعريفات على منصات التواصل الاجتماعي. ولا يمكن فك الارتباط بين عملية القمع الرقمية للصوت الفلسطيني، وما يجري على أرض الواقع من ممارسات وانتهاكات إسرائيلية ضد الفلسطينيين؛ لأن الاستبداد الذي تمارسه “ميتا” على منصاتها ضد الصوت المناصر للحق الفلسطيني يأتي ضمن حملة أوسع تجري على أرض الواقع، تُمارس خلالها شتى أنواع الانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني.
في وقت أصبحت فيه المنصات الاجتماعية تحتل حيزا كبيرا في حياة المجتمعات المتقدمة أو النامية، تسعى أمريكا والغرب لدعم قوتهما وهيمنتهما عبر هذه المنصات وفرض قيمهما ورؤيتهما، وممارسة سلطتهما على إنشاء المحتوى والتحكم فيه، وفي تداوله في جميع أنحاء العالم، ومنصات التواصل التابعة لشركة ميتا وغيرها من المنصات على اختلافها هي رأس حربة في الحرب الثقافية على العالم، وتمثل المقدمة الأمامية في حروب الوعي والتعريفات، التي تمكن من استمرار الهيمنة والسيطرة وإخضاع الآخر، وتطويع العقول وكسر الإرادات.
ختاما
في عالمنا العربي نحن لا نملك التكنولوجيا ولكن نستهلكها، وهذا أصبح خطرا على الأمن القومي لأي بلد في هذا العالم.
وفي عصرنا هذا من يملك الإعلام الرقمي هو من يملك التكنولوجيا، ويسيطر على وسائل الهيمنة العصرية، وهذه دعوة إلى الانتفاض والتحرر من الهيمنة الغربية بشتى صورها، ومنها تلك الهيمنة الرقمية التكنولوجية الغربية.
