بلد شهادات صحيح!

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف (منصات التواصل)

لم يكن محمد عبد اللطيف الذي تم تكليفه بحقيبة التربية والتعليم في مصر ذكيًّا ولا محنكًا عندما صدّر اسمه بلقب “دكتور”. لماذا؟

لأنه في زمن تسونامي مواقع التواصل الاجتماعي، والأرشيف الرقمي، ومواقع البحث على الإنترنت، والمخرجات المذهلة للثورة المعلوماتية، يمكن الوصول إلى مدًى بعيد في البحث وراء المعلومات والأرقام والأماكن ومختلف الأحداث الآنية والقديمة للفرز بين الصادق والكاذب، والحقيقي والمزيف.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

قبل أن يجلس الوزير على كرسيه كانت نتائج البحث حوله قد كشفت عن شكّ في شهادتيه للماجستير والدكتوراة، فهو لم يحصل عليهما من جامعات معروفة موثوق بها، وإنما من متاجر تحمل لافتات جامعية تُسوق شهاداتها مقابل المال.

حتى الجامعة التي ذكر الوزير حصوله على الدكتوراة منها ثبت بالبحث ألا وجود لها، ولم تكن ردوده مقنعة بعد أن أُسقط في يديه.

ولم يكن د. مصطفى مدبولي رئيس الوزراء موفقًا عندما خرج محاولًا الدفاع عن الوزير والتغطية على فضيحة لم يكن هناك لزوم لها لو تم تقديمه باسمه دون لقب دكتور، ومبررًا اختياره بما لديه من خبرة في التعليم الخاص، هذا إذا كانت لديه هذه الخبرة فعلًا، أو أنها ذات قيمة لقيادة إحدى أهم الحقائب وهي التعليم المنهار بالفعل.

في حكومات التكنوقراط، أو الوزراء المهنيين غير السياسيين، هل لا بد أن يحملوا درجات الدكتوراة والأستاذية؟

ليس ذلك شرطًا، فالدرجات العلمية الرفيعة قد لا تعني شيئًا كثيرًا في العمل والإنجاز، فوزارة التربية والتعليم مثلًا تولاها حاصلون على الدكتوراة، وكانوا من كبار أساتذة الجامعات، وبعضهم متخصص في الجوانب التربوية، ومع هذا لم يتقدم أي منهم بالتعليم خطوة واحدة إلى الأمام.

سبق الوزير الحالي المشكوك في شهاداته الحاصل عليها (أونلاين) اثنان من الدكاترة؛ رضا حجازي وطارق شوقي، ومع هذا لم يتمكن أي منهما من إصلاح التعليم، أو وقف التدهور فيه، ولن ينجح الوزير الجديد، ليس في تطوير التعليم، فهذا هدف كبير، وإنما في إعادة وضع التعليم على أول السكة الصحيحة مجددًا.

شهادات لا تعني شيئًا

والشهادات الفخمة لا تعني شيئًا، فهناك وزير للتعليم خلال العقد الماضي يُدعى الهلالي الشربيني، وهو أستاذ للتخطيط التربوي، وسيرته الذاتية مليئة بالمناصب الكبيرة، لكنه راسب إملائيًّا، إذ عقب تكليفه بهذه الحقيبة نشط سحرة مواقع التواصل وخرجوا بفضائح في اللغة والإملاء سقط فيها عبر منشورات كتبها على صفحته الشخصية التي حذفها بعد الفضيحة التي كانت كفيلة بإخراجه من الوزارة فورًا، لكنه بقي فيها ما يقارب عامين.

والوزير الجديد، لن يغادر الوزارة رغم شهاداته المُخجلة بل سيظل باقيًا إلى حين، وقد يأتي هذا الحين ويستمر على مقعده، فليس هناك اعتبار منطقي لبقاء أو مغادرة المسؤول للمنصب إلا وفق إرادة من يمتلك وحده القرار.

هل نتذكر فيلم معالي الوزير لمؤلفه وحيد حامد الذي كتب عن وزير تم اختياره خطأً لتشابه في الاسم بينه وبين شخص آخر، وكان ذلك مأزقًا خاصة أن بقية الوزراء ينتظرون حلف اليمين أمام الرئيس، ولم يكن هناك وقت لإنقاذ الموقف باستبدال الوزير الغلطة بالوزير المطلوب، وانتهى الأمر بأن أدى اليمين وبقي في منصبه سنوات.

الشهادات لا تمثل قيمة عظيمة ولا ميزة نسبية حتى لو كانت من جامعات عالمية مشهود لها ما دام الحاصلون عليها أعضاء في حكومات لا يمتلكون فيها صلاحيات حقيقية لإدارة وزاراتهم كما ينبغي.

فالسلطة كلها تتركز في يد صاحب القرار الأوحد، وهو يكلف ويوجه ويأمر ويصدر التعليمات لهذا وذاك مما يليه في قمة هرم السلطة وحتى المستويات الأقل، والكل يقرأ ما في عينيه ويحاول أن يجول في عقله ليترجم ذلك إلى أفكار وخطط وسياسات ترضيه.

حكومات غير سياسية

حكومات ما بعد تأسيس الجمهورية عام 1953، لم تكن سياسية، الوزراء وكبار المسؤولين ليسوا من أهل السياسة والأحزاب والاشتغال بالعمل العام والارتباط بالناس إلا ما ندر، وهؤلاء الأفراد النادرون عند توليهم الوزارة فإنهم يحولون أنفسهم إلى أشخاص آخرين نهجهم السمع والطاعة.

الأصل في الحكومات أن يكون أعضاؤها ساسة من أحزاب لها أغلبية برلمانية، وهنا فإن الوزير الأول، ومعه زملاؤه في الحكومة، سيكون شغلهم الشاغل خدمة الشعب، ذلك أن ولاءهم للشعب الذي اختارهم وبمقدوره تغييرهم إذا أخفقوا في البرنامج الذي صوت لهم على أساسه كما حصل في بريطانيا مؤخرًا، وكذلك فرنسا رغم أن نظامها رئاسي، وليس برلمانيًّا، لكن تشكيل الحكومة فيها يُسند لحزب الأغلبية الذي قد لا يكون حزب الرئيس، ولا مانع من أن تنشأ سلطة للرئيس وسلطة مقابلة للحكومة تنتمي لحزب آخر، وتضطر السلطتان إلى التفاهم والتعايش والتنافس لإرضاء الشعب.

دستوريًّا يمكن أن يحدث شيء مماثل في مصر ذات النظام الرئاسي، أي يكون فيها رئيس مستقل أو حزبي، ويمكن للحكومة أن تتشكل من حزب أو ائتلاف أحزاب حققت أغلبية انتخابية في البرلمان.

لكن يظل الدستور وثيقة نظرية، وترجمته إلى عمل وواقع يتطلب ديمقراطية حكم جادة جوهرها حريات عامة، وسياسة مستقلة منفتحة، وانتخابات تنافسية دون أي تدخلات أو توجيهات مباشرة أو مستترة، وتداول سلمي للسلطة، وتفعيل الرقابة والمحاسبة، ويسبق كل ذلك إيمان حقيقي وفعلي من المؤسسات بالنظام الديمقراطي.

دسوقي أفندي

إذا كانت شهادة الدكتوراة -بعد أهل الثقة- تعتبر ميزة لشخص على آخر في التوزير وإسناد المناصب العليا، فإنها في حكومات مصر لم تمثل أي ميزة أو قيمة، وإلا لما وصلت الأوضاع طوال 72 عامًا إلى أزمات متسلسلة شاملة.

كان دسوقي أفندي (عادل إمام) كوميديًّا ناقدًا لاذعًا في عبارته الشهيرة خلال أول مسرحية يشارك فيها بوصفه ممثلًا ناشئًا وهو يكرر مع كل موقف أن هذه “بلد بتاعة شهادات صحيح”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان