متربحون من استمرار الحرب على غزة

ما أحوجنا إلى التحرر من سيادة “شخصنة” الصراعات وعزلها عن سياقاتها الموضوعية، وكذا الوقوع في ضلال الشجرة التي تحجب الغابة.
وأظن أنه أصبح من الأهمية اليوم العودة إلى تحدي الاعتقاد والترويج لأن شخصا واحدا يدعى “بنيامين نتنياهو” رئيس الحكومة الإسرائيلية، ومعه مجموعة من أشباهه المتطرفين والأكثر تطرفا، المسؤول بمفرده والمسؤولون وحدهم عن استمرار الحرب في غزة، ولولا عناده هو وتعنت من هم حوله، لتوقف إطلاق النار، ووضعت حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في غزة أوزارها.
اعرف أعداءك
بعد هزيمة 1967، تصدر عنوان “اعرف عدوك” كتبا ومقالات بالصحف وندوات ومؤتمرات. ونبه كتاب “النقد الذاتي بعد الهزيمة” للمفكر السوري الراحل “صادق جلال العظم ” إلى مخاطر الجهل بالذات والآخر والحقائق، وارتباط هزائمنا بالتخلف والابتعاد عن إعمال العقل والمنهج العلمي.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
واللافت مع تجاوز حرب الإبادة على غزة شهرها التاسع ومرور كل هذه العقود بعد 67 أن يظل العديد بيننا يتعثرون في شجرة الشخصنة التي تحجب غابة مصالح قوى اقتصادية مجتمعية وتحالفات محلية/ إقليمية/ كونية مع مجمعات صناعية عسكرية وشركات انتاج وشحن أسلحة ونفط وغاز عابرة للقارات وغيرها، وحيث يختلط المال بالسياسة، وبدماء البشر الأبرياء.
قائمة “الكويكرز”
لشركاء القتل والدمار
لعلنا لا ننتبه بالقدر الكافي إلى جهود جارية للكشف عن أدوار شركات صناعة وتجارة السلاح ذات الملكية الخاصة كاملة أو القائمة على الشراكة بين سلطات دول ورجال أعمال في استمرار حرب الإبادة على غزة. وهي تعظم مبيعاتها وأرباحها مع كل يوم إضافي لهجمات جيش الاحتلال العنصري المنفلت من كل أخلاق أو قيود، ومع المزيد من برامج الصناعات العسكرية المشتركة مع إسرائيل.
وأمامنا اليوم قائمة لهذه الشركات أنجزها “الكويكرز” الأمريكيين أو “جمعية الأصدقاء الدينية”، وهي جماعة من “البروتستانت” لها تاريخ مقدر بالقارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية في مناهضة الحروب والرق والعمل من أجل العدالة والسلام. وهذه القائمة يجرى تناقلها وإعادة نشرها من منظمات مناهضة لحرب الإبادة الصهيونية خارج منطقتنا.
بموقع إلكتروني يحمل اسم “لجنة خدمة الأصدقاء الأمريكيين” (*)، اهتم “الكويكرز”، واعتبارا من نهاية أكتوبرتشرين أول 2023، برصد وتوثيق أبرز شركات صناعة السلاح والذخائر الشريكة في جرائم الإبادة الجماعية والخراب في غزة، ووفق قائمة يجرى تحديثها.
وحتى 28 مايو/ أيار الماضي 2024 تضم القائمة نحو 53 شركة، ومعظمها “متعددة الجنسيات”. ولكنها تتوزع وفق المقر الرئيسي أو أماكن مصانع كل منها على: 24 أمريكية و15 إسرائيلية و 6 ألمانية، وواحدة في كل من بريطانيا وإيطاليا والصين واليابان وكوريا الجنوبية والسويد، فضلا عن شركتين لا يمكن تحديد جنسيتهما. وهناك عدد آخر من شركات شحن السلاح جرى رصد زيادة نشاطها باتجاه فلسطين المحتلة.
توثيق لنوعية السلاح
بأماكن المجازر
وهذه القائمة غنية بالمعلومات عن نوعية الأسلحة والذخائر المتطورة التي أمدت بها كل شركة آلة الإبادة الصهيونية منذ 7 أكتوبر، وأحيانا بالعودة إلى جولات العدوان السابقة على غزة (2008/2009 و2014 و 2021)..
كما تهتم بذكر وتوثيق مواقع وتواريخ وعواقب استخدام كل نوع من الذخيرة والسلاح في مجازر ضد المدنيين، وتستشهد بما ورد في بيانات وتقارير منظمات الأمم المتحدة وهيئات الحقوق والإغاثة العالمية عن أثر كل نوع من السلاح أو الذخيرة المميت والمدمر في سكان القطاع.
يتصدر قائمة “الكويكرز” عمالقة صناعة الموت والدمار في العالم. وقد وجدوا في الحرب الممتدة على غزة فرصة لاختبار أنواع جديدة من التقنيات والأسلحة والذخائر في البشر بمنطقتنا، وهذا بهدف جنى مزيد الأرباح سواء من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، وبمقضى المساعدات العسكرية الضخمة المتزايدة لإسرائيل المقررة من الإدارة والكونغرس بواشنطن، أو بتسويق أوسع نطاقا لهذه المنتجات إلى دول أخرى. والمعروف أن ثلاث دول عربية على قائمة المستوردين السبعة الكبار للسلاح عالميا، وفق أحدث تقرير لمعهد استكهولم لأبحاث السلام “سيبري”.
وتبرز بقائمة “الكويكرز” شركات بمثابة علامات تجارية عالمية، يتجمل عدد منها بمنتجات وأنشطة أخرى غير عسكرية. ويتقدمها الخمس الأكبر في صناعة السلاح وآلات الدمار: “لوكهيد مارتن” و”رايثيون” و”بوينغ” و”نورثروب غرومان” و”جنرال دينامكس”، فضلا عن “كاتربلر”، وجميعا بالولايات المتحدة.
وأفادت مصادر صحفية باللغة الإنجليزية بعد نحو شهر واحد من بدء حرب غزة بارتفاع أسهم كبريات شركات صناعة السلاح والذخيرة بالولايات المتحدة بنسب تتراوح بين 7 و11 في المئة.
وفي إسرائيل تبرز شركات “ألبيت” و”أليجيتي”، وكذا “أي يو أي” المرتبطة باسم رجل الأعمال “سامي كاتساف” المتورط مع “نتنياهو” في قضايا الفساد. ومن ألمانيا “تيسين كروب” و”رولزرويس هودلدنج”، وبإيطاليا “ليوناردو”.
كما تتضمن القائمة شركات توفر وقود الطائرات والبوارج كي تقصف بنيرانها المخيمات والأحياء السكنية والمستشفيات ومدارس “الأونروا” بغزة، ويبرز بينها “باز” الإسرائيلية للنفط، والتي تساهم في السنوات الأخيرة عبر شركات وسيطة أو واجهة في تصدير الغاز لمصر والأردن.
فتش أيضا عن
الغاز المسروق
ومن جهود “الكويكرز” غربي الكرة الأرضية إلى صحافة جنوب شرق آسيا، وتحديدا بنغلاديش. وهنا لدينا مقال في صحيفة “الدايلي ستار” يوم 29 فبراير 2024 بعنوان: “المستفيدون اقتصاديا من الحرب بين إسرائيل وحماس” للصحفية الشابة “رامسيا روب”، ولها إسهامات بالإنجليزية في صحف خارج “دكا” تعكس وعيا بالأبعاد الاستراتيجية والسياسية لاقتصاد النيو ليبرالية على صعيد العالم.
ويتصدر المقال عبارة تشير إلى أن دماء المدنيين الفلسطينيين وأطفالهم الأبرياء ومن الأطفال تلطخ النظام الرأسمالي العالمي، الذي يتربح بشكل منهجي منظم من الإبادة الجماعية في غزة.
وتخلص بعد روايتها لجوانب من نهب غاز الشعب الفلسطيني أمام سواحل قطاع غزة إلى أن الحرب الحالية تمثل فرصة لإسرائيل كي تقيم منطقة عازلة، وتعقد المزيد من الصفقات مع شركات ودول، من أجل تكثيف الاستغلال الحرام لاحتياطات الغاز الفلسطيني. وهذا فضلا عن زيادة الأرباح المحتملة لاتفاقية طاقة تعاون طويل المدى مع واشنطن، وتهدف لمنح ميزات إضافية للولايات المتحدة في صراعها مع الصين، ويقلل من اعتمادها على نفط الخليج.
ويوثق المقال معلومات مهمة عن احتياطيات الغاز أمام سواحل القطاع، حيث تقدر بنحو 524 مليار دولار، وفق دراسة أجرتها منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد). وأيضا يشير إلى خسارة الفلسطينيين بين 2007 و2017 نحو 47 مليار دولار جراء انسحاب شركة “بريتش بتروليم” البريطانية من اتفاق مع السلطة الفلسطينية لاستغلال حقل “مارين” أمام سواحل غزة، وإعادة التعاقد مع سلطات الاحتلال على استغلال الحقل نفسه.
*
لا ينكر عاقل ومتابع مصالح ومسؤولية نتنياهو وأعضاء حكومته وجيش الاحتلال الصهيوني في استمرار حرب الإبادة العنصرية على غزة، ومعهم جملة من العوامل والفاعلين سياسيا فلسطينيا وإقليميا ودوليا.
ولا إعفاء للنظام الرسمي العربي، وقاعدة مصالحه الاقتصادية السياسية وما يمثله مجتمعيا، من مسئوليته في استمرار الحرب، وبما يتجاوز مجرد الضعف والتخاذل والهوان إلى التورط في تأييدها ودعمها. ولأن الهدف واضح معلن، والعين على التخلص من المقاومة، ودوما هزيمة نموذجها الفلسطيني، وتتقدمه هذه المرة “حماس”. وبالأساس ضرب وسحق المثال والقدوة في تحدي المظالم والمفاسد أمام الشعوب خارج فلسطين.
ويظل من الخطأ ألا نلتفت أيضا إلى المصالح الاقتصادية والمالية لهذا النظام الرأسمالي وأنشطته القائدة الحالية، وكيف تشكلت حولها جماعات مستفيدة تستثمر في القتل والدمار وحروب الإبادة والتجويع؟، وتضع الأرباح أولا، وقبل الحياة والإنسان والعدالة والحقوق والحريات والديمقراطية وحماية البيئة والسلام.
ـــــــــــــــــــــــــ
(*) قائمة الشركات بالموقع الإلكتروني “للكويكرز” الأمريكيين:
https://afsc.org/gaza-genocide-companies
