الرصاصة التي أخطأت ترامب وأصابت بايدن

(1) رصاصة طائشة
لم تصب رصاصة الشاب العشريني “توماس ماثيو كروكس” الرئيس السابق ترامب في مقتل، بل أحدثت خدشًا بسيطًا في أذنه نتج عنه شريط من الدماء سال على وجهه، بعدها لوّح ترامب للجماهير المحتشدة رافعًا قبضة يده في الهواء وهو رابط الجأش، لتصبح هذه الصورة تعبيرًا عن ترامب الذي لا يقهر، ترامب المنتصر على خصومه الذين حاولوا اغتياله معنويًا وجسديًا، ترامب المشمول بعناية الرب كما وصفه بعض أتباعه بعد الحادث الذي خرج منه سالمًا بمعجزة. ترامب في نظر مؤيديه هو القادر على إنقاذ أمريكا لتصبح عظيمة مرة أخرى، محاولة الاغتيال الفاشلة أثارت تعاطف العالم مع ترامب وتعد أعظم دعاية انتخابية مجانية حصل عليها.
مقتل المعتدي على يد قوات الخدمة السرية، المنوط بهم حماية رؤساء أمريكا سواء كانوا في المنصب أو خرجوا منه، تركت العنان لمخيلة الناس في أمريكا وخارجها للتفكير في القاتل، وهل دبر مقتل ترامب منفردًا أم أن وراءه أشخاص أو جماعة تريد القضاء على المرشح الجمهوري وما زال هؤلاء طلقاء. “الفيديو” الذي نشره القاتل على مواقع التواصل الاجتماعي الذي أظهر فيه كراهيته للحزب الجمهوري وترامب، بدا فيه شخصًا بسيطًا وساذجًا، فهل يمكن أن تكون الكراهية وحدها محركًا للقتل أم أن هناك أسرارًا خفية لم ولن يتم الإعلان عنها؟
محاولة اغتيال ترامب رفعت أسهم ترامب، ولكنها أضرت بصورة أمريكا، أقوى دولة في العالم عاجزة عن حماية مرشحي الرئاسة بها من العنف الذي أصبح سمة المجتمع الأمريكي الذي يمتلك أفراده أسلحة تفوق عددهم، فكل 100 شخص في الولايات المتحدة يمتلكون 120 قطعة سلاح.
المدهش أن كلًا من الرئيس الحالي بايدن والرئيس السابق ترامب لم يعلّقا بعد الحادث عن ضرورة تعديل قانون حيازة السلاح في أمريكا وحظر بيعه إلا بشروط مشددة، بدلًا من ذلك تحدثا عن ضرورة تخفيف لغة العنف والاستقطاب في حملتهما الانتخابية وتوحيد المجتمع الأمريكي المنقسم. أمريكا العظمى تعيش وفق مفهوم “القوة فوق الحق” الذي يسود في المجتمع وتحكم به العالم، وسيتسبب في النهاية لسقوط الإمبراطورية الأمريكية.
(2) ترامب واستغلال الحلم الأمريكي
بعد إعلان الحزب الجمهوري رسميًا اختيار ترامب مرشحًا له في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أعلن الأخير عن اختيار السناتور “جيمس ديفيد فانس” لمنصب نائب الرئيس، ولقد تم اختيار فانس من بين عدد من الأسماء التي كانت تتنافس على هذه الترشيح.
جاء الاختيار موفقًا من جانب ترامب، فهو يدل على حس سياسي وقدرة فائقة على فهم مزاج الناخبين وكيفية مخاطبتهم والتلاعب بعقولهم، وهو ما ظهر جليًا عقب انتخابات 2020 حين تحرك عدد من أتباعه في هجوم كبير يوم 6 يناير 2021 على مبنى “الكابيتول”، وأحدثوا فوضى عارمة بسبب إيمانهم الراسخ بمزاعم ترامب حول تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح منافسه “جو بايدن”.
“ترامب” مثل كل القادة الشعوبيين يخاطب أتباعه بالقليل من العقل والكثير من العاطفة، ليحصل منهم على الولاء والطاعة وليس فقط التأييد في الانتخابات، وهو ما يجعله أقرب لظاهرة زعماء الطوائف الدينية من المهوسين الذين يخاطبون مريديهم باسم الرب، ويطلبون منهم الطاعة العمياء.
ترامب الذي يبلغ من العمر 78 سنة، اختار شابًا في نصف عمره من أصول فقيرة ليكون نائبه، لأن فانس (39 سنة) يمثل الحلم الأمريكي: الصعود من الفقر للثراء ومن الظل إلى دائرة الضوء بالإضافة إلى كونه رب أسرة، أب مسؤول وزوج مخلص. ولد “فانس” في عائلة فقيرة في جنوب أوهايو، بعد خدمته في سلاح مشاة البحرية، التحق بكلية الحقوق في جامعة ييل، ثم بدأ مشروعًا تجاريًا مخصصًا لتنمية الوظائف والفرص، لكن شهرته على المستوى الوطني جاءت بفضل كتابه الصادر عام 2016 بعنوان: “مرثية ريفية، مذكرات عائلة وثقافة في أزمة”، التي حولتها منصة “Netflix” إلى “فيلم” يحمل الاسم نفسه عام 2020 مقابل 45 مليون دولار، ولقد وصلت المذكرات إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة “نيويورك تايمز” لمدة 74 أسبوعًا، ويكشف فيها فانس المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها البيض الفقراء في حزام الصدأ الذي ينتمي إليه بحكم مولده، ولقد تزوج فانس زميلته في جامعة ييل عام 2014، و”أوشا” زوجته ابنة مهاجرين هنود وهو دائمًا يشيد بها وبدعمها له، ولهما ثلاثة أبناء وبهذا يعد فانس نموذجًا وقدوة لملايين الأمريكيين المحافظين والمنتمين للطبقات الفقيرة والوسطى، ورغم أن فانس كان من المعارضين لترامب ولم ينتخبه في عام 2016، لكنه غيّر موقفه وأصبح من أشد الداعمين والمؤيدين لترامب، وفي المقابل دعمه ترامب في انتخابات “الكونجرس” عام 2022 التي فاز فيها. ترامب و”فانس” يتفقان في توجهاتهما فيما يخص ملف الهجرة ورفض الدعم الأمريكي لأوكرانيا وضرورة مواجهة الصين ودعم إسرائيل وتأديب إيران، وإدانة الإجهاض.
(3) “ميلانيا “تروج لـترامب الإنسان!
كانت محاولة الاغتيال الفاشلة لـ”ترامب” فرصة لإعادة رسم صورة مغايرة لصورته النمطية كشخص فظ حسى وبعيد عن اللياقة، ولقد وجهت زوجته “ميلانيا” كلمة للأمريكيين كتبت بعناية، وصفت فيها القاتل بالوحش الذي اعتبر زوجها آلة سياسية غير إنسانية متغافلًا ضحكاته وبراعته وحبه للموسيقى وإلهامه!، ووصفت زوجها بالرجل الكريم والمهتم الذي عاشت معه في أفضل الأوقات وأسوأ الأوقات، وأضافت: “السياسة الأمريكية ليست سوى وسيلة يمكنها الارتقاء بمجتمعاتنا، لكن الحب والرحمة والتعاطف هي ضروريات، وقالت: “لنتذكر أنه عندما يحين الوقت للنظر إلى ما هو أبعد من اليسار واليمين، إلى ما وراء الأحمر والأزرق، فإننا جميعًا نأتي من عائلات لديها شغف للقتال من أجل حياة أفضل معًا”. كلمات حكيمة مختارة بعناية لتضيف المزيد لحظوظ ترامب بعد رصاصة “كروكس” التي أخطأته، ولكنها بالتأكيد أصابت معسكر بايدن وهنًا على وهن.
