“طبيبة المراغة”.. اعتذرت لها “الحكومة”.. لماذا؟

محافظ سوهاج الجديد معنّفًا طبيبة مستشفى المراغة، قبل أن يلتقي بها ويعتذر لها (منصات التواصل)

أحسن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري صنعًا، بوصفه رئيسًا للحكومة، بالإعلان في مؤتمر صحفي مساء أمس (الأربعاء)، عن اعتذاره لطبيبة المراغة سمر أنور، التي سبها وعنفها محافظ سوهاج الجديد اللواء عبد الفتاح سراج، وتبعه حسبما نشرت مواقع صحفية التقاء المحافظ سراج بالطبيبة وزوجها، والاعتذار منها.

لا جدال في أن اعتذار الدكتور مدبولي، من شأنه لجم المحافظين عن الاندفاع وراء إغراء اللقطة والاستعراض، على شاكلة ما قام به محافظ سوهاج في مستشفى المراغة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الدكتور مدبولي كان موفقا جدا حين أوضح أن حق “المحافظين” في اتخاذ التدابير لضبط العمل ومجازاة المخالفين، لا يبيح لهم إهانة المواطنين أو الموظفين، والتنمّر بهم.

ليت رئيس الوزراء يبادر بإلزام محافظ الدقهلية اللواء طارق مرزوق، بطل موقعة أكياس الخبز، بتطييب خاطر السيدة الفقيرة التي روعها وزوجها الكهل المثقل بأمراض الدنيا.. عندما اقتحم عليهم مسكنهم الشديد التواضع، بدون إذن نيابة، في قرية تابعة لمركز أجا، لضبط أربعة أكياس من الخبز. “مرزوق”، مع رجاله راحوا يفتشون أمتعة السيدة وزوجها القعيد.. صائحا من آن لآخر: “صور يا هيثم”، وجرى بث المشاهد مباشرة على صفحة المحافظة الرسمية من دون أن تهتز مشاعره لفقر السيدة وبؤس حالها، ومرض زوجها، كأنه أنجز بطولة لم يسبقه إليها أحد.

أما قصة المحافظ الجديد لسوهاج (في صعيد مصر جنوبا) اللواء عبد الفتاح سراج، فالرجل ذهب وسط زفة، وتشريفة من مرافقيه، وحاملي الكاميرات، لزوم التصوير، و”المنظرة الكدابة” قاصدا مستشفى المراغة المركزي (مساء الثلاثاء). شق طريقه وسط هذا الحشد، والجمهور.. صادف، طبيبة النساء والتوليد سمر أنور (طبيبة المراغة)، الموجودة بالغرفة. تملكته، طباع الأسد، حين ينقض على فريسته، بلا رحمة ولا شفقة.. راح يصرخ فيها تعنيفا، وإهانة أمام هذا الجمع الكبير، واصفا إياها بأنها بلا ضمير ولا إحساس.

اللواء المحافظ.. وطب الأطفال

حسبما رشح من معلومات، فإن طبيبة المراغة، أجرت الكشف الطبي على أحد الأطفال، وشخصت الحالة، ثم طلبت من والد الطفل، إحضار تذكرة دخول لاستكمال العلاج (وفقا للتعليمات الحكومية).

المحافظ استنكر على الطبيبة طلب التذكرة، وأمر بتعليق محاليل للطفل، وإن لم يحدد نوع المحاليل. كما قرر عزل مدير المستشفى ونائبه، وإحالتهم وباقي الطاقم والطبيبة إلى التحقيق بتهمة تردي الأوضاع في المستشفى وغياب الأطباء، ومستوى النظافة.

اللهم لا اعتراض، على إجراءات التحقيق والعزل، ولو أن الواجب قانونا أن يأتي التحقيق بناء على تقرير فني متخصص، يُحدد أوجه الإهمال. لكن هل المحافظ (لواء الشرطة) دارس لطب الأطفال مثلا كي يأمر بتعليق المحاليل للطفل؟ ماذا لو أن المحاليل أضرت بالطفل، أو أنهت حياته لا قدر الله؟ هل يتحمل جنابه المسؤولية؟ كيف يسمح لنفسه بأن يتدخل فيما لا يعلم؟

الواقعة أثارت استهجانا على منصات التواصل، وأغضبت “نقابة الأطباء” التي أصدرت فيها بيانا، استنكرت فيه إهانة المحافظ للطبيبة.

خانة الذكريات

حسنٌ وجميل وجيد أن يأمر محافظ سوهاج اللواء (الطبيب، الإنسان) عبد الفتاح سراج، باستكمال علاج الطفل بدون تذكرة طبية، بغض النظر عما إذا كان بـ”المحاليل”، أو غيرها. لا يملك أي طبيب، توقيع الكشف الطبي على مواطن بدون تذكرة، طبقا لتعليمات وزارة الصحة، وإلا فإنه يُحال إلى التحقيق، وقد يُتهم في ذمته.

وإذا تقرر دخول المريض للمستشفى للعلاج -بعد الكشف- يكون عليه سداد ثمن تذكرة الدخول، وثمن العلاج، وفقا للحالة، بما قد يصل إلى آلاف الجنيهات. كلنا يعلم يقينا، أن “العلاج المجاني” قد صار في خانة ذكريات الماضي. قانون تأجير المستشفيات الذي تم تمريره مؤخرا، يؤكد تنصل الحكومة منه. كثير من المواطنين فقراء، لا يملك الفرد منهم ثمن تذكرة الكشف، مهما كان ضئيلا، فإذا تطلبت الحالة دخول المستشفى، فالعبء يكون أصعب.

ثمن التذكرة بدلا من افتراس الطبيبة

حتى لا نذهب بعيدا، إذا كان “المحافظ” قد أعفى المواطن والد الطفل من تذكرة الدخول، وقيمة العلاج بـ”المحاليل”، فماذا عن بقية المواطنين بالمستشفى؟ هل أعفاهم من ثمن التذكرة؟

لماذا لا يمد الخط على استقامته، ويُقرر الكشف الطبي والدخول والعلاج “مجانا”، في المستشفيات الحكومية، بمحافظة سوهاج التي يتولاها؟.

إن فعل، فسيُصفق له الكل، وربما يُقيم له أهل المحافظة تمثالا، في مكان متميز منها. قولًا واحدا لا يملك المحافظ، مثل هذا القرار، ومن ثم فكان عليه التبرع بثمن التذكرة والعلاج من جيبه، لطفل المحاليل بدلا من تقمص دور الأسد، وافتراس الطبيبة التي لا حول لها ولا قوة في مواجهة تعليمات وزارة الصحة، وقراراتها بتحصيل قيمة التذكرة.

إهانة وتعدٍّ على موظف عمومي

اللواء المحافظ عبد الفتاح سراج حائز على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة المنصورة، وله مؤلفات عن حقوق الإنسان؛ فما كان له تعنيف “طبيبة المراغة”، وإهانتها، بـ”السب” المُجَرَّم قانونا، ووصمها بانعدام الضمير، وافتقاد الإحساس.. تجريدًا لها من الضمير، والإنسانية معًا.. مَنْ أعطاه هذا الحق؟ فضلًا عما يمثله سلوكه من تعدٍّ على موظف عمومي أثناء تأدية وظيفته. كما أنه عندما أمر بتعليق المحاليل للطفل أوقع نفسه في محظور طبي، وقانوني، بانتهاك حرمات مهنة الطب، والإفتاء بما ليس له به علم. فهل هو عليمٌ بالطب؟ إن كانت الطبيبة قد ارتكبت “خطأ مهنيا”، فلتُحاسب بعد تحقيق قانوني نزيه، بمعرفة المختصين.

من حُسن التصرف أن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، تدخل في الوقت المناسب، وإلا لكانت الرسالة من وراء سلوك محافظ سوهاج، ومن قبله محافظ الدقهلية، بأن مهمة المحافظين، صارت إهانة المواطنين والموظفين، والتنمّر عليهم وسبّهم والحطّ من كرامتهم، وتجريسهم بالتصوير وبث مقاطع الفيديو جلبا للشو والدعاية الفجة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان