لماذا وقف قطع الكهرباء بمصر 57 يوما فقط؟

قال رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي إنه سيتم وقف تخفيف أحمال الكهرباء، وهو الاسم الحكومي لعملية قطع الكهرباء، بداية من الأحد القادم الـ21 من الشهر الحالي حتى منتصف شهر سبتمبر/أيلول، أي حوالي 57 يوما، مشيرا إلى أنه يمكن أن يحدث انقطاع للكهرباء لأسباب فنية خلال تلك الفترة، ثم تعود عملية قطع الكهرباء بعد ذلك حتى نهاية العام إلى أن يتم حل جذري للمشكلة.
وهكذا يصبح سؤال الناس لماذا يعود انقطاع الكهرباء بعد منتصف سبتمبر؟ خاصة أن مصر لديها طاقات كبيرة فائضة في إنتاج الكهرباء، ومن مصلحة الشركة القابضة للكهرباء المحتكرة لإنتاج وتوزيع الكهرباء بيع كميات منه، لسداد ما عليها من ديون وحتى تزيد إيراداتها بعد تعرضها لخسارة في العام المالي 2022/ 2023 بقيمة 8.2 مليارات جنيه.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وعندما يسمع الناس أن انقطاع الكهرباء الذي استمر منذ شهر يوليو/تموز من العام الماضي، وحتى الشهر الحالي أي لمدة عام كامل فيما عدا شهر رمضان الذي شهد ايقافا لتخفيف الأحمال؛ سببه نقص الوقود اللازم لمحطات توليد الكهرباء، تزداد حيرتهم خاصة من يتابعون بيانات البنك المركزي الخاصة بالميزان البترولي، أي الفرق بين قيمة الصادرات البترولية والغازية وقيمة الواردات البترولية والغازية، التي تُظهر أن هذا الميزان قد حقق فائضا بلغ 4.4 مليارات دولار العام المالي 2021/ 2022 وفائضا في العام المالي 2022/ 2023.
كذلك عندما يسمعون أن سبب تأخر تدبير قيمة استيراد الغاز والمازوت اللازمين لمحطات إنتاج الكهرباء، هو أزمة نقص العملات الأجنبية التي شهدتها مصر العامين الأخيرين، بينما وصل القسط الأول لقيمة صفقة بيع أرض رأس الحكمة للإمارات في نهاية فبراير/شباط الماضي، والقسط الثاني في مايو/أيار، ومع ذلك تأخر الاتفاق على استئجار سفينة لتغويز الغاز المسال المستورد بتحويله إلى الحالة الغازية في شهر يونيو/حزيران الماضي.
61 مليار جنيه تكلفة دين القابضة للكهرباء
وتشير وقائع الأمور إلى أن عوامل أزمة انقطاع الكهرباء بمصر متعددة، ولا تقتصر فقط على نقص الوقود اللازم لمحطات إنتاج الكهرباء. أول تلك العوامل التوسع في إضافة طاقات إنتاجية أكثر كثيرا من احتياج البلاد، التي تتحدد حسب أقصى حمل على الشبكة عادة ما يحدث بأحد أيام شهر أغسطس/آب، أي خلال شهور الصيف حيث يزداد استهلاك الكهرباء لتوقي شدة الحر، ولقد وصلت القدرة الفعلية لإنتاج الكهرباء العام المالي 2017/ 2018 إلى أكثر من 54 غيغاواتًا، بينما كان أقصى حمل يومي خلال العام المالي 30.8 غيغاواتًا، أي بقدرة إنتاجية فائضة بأكثر من 23 غيغاواتًا.
ورغم ذلك زادت القدرات الإنتاجية في السنوات التالية بمعدلات تفوق زيادة أقصى حمل يومي خلال العام، ليصل الفائض إلى 26.8 غيغاواتًا عام2019/ 2020، وعجزت الشركة القابضة عن بيع تلك الكميات الفائضة سواء في الداخل أو لدول أخرى؛ مما دفعها إلى عمل محطات الإنتاج بالتناوب، لكن المشكلة أن زيادة إنتاج الكهرباء كانت نتيجة قروض داخلية وخارجية، الأمر الذي زاد قيمة قروض الشركة القابضة للكهرباء، من 82 مليار جنيه منتصف عام 2014 إلى 378 مليار جنيه منتصف العام الماضي.
وهكذا زادت قيمة الأقساط والفوائد السنوية المطلوب من الشركة القابضة دفعها من 15 مليار جنيه، العام المالي 2013/ 2014 حتى بلغت 61 مليار جنيه في العام المالي 2022/ 2023، وقد استحوذت تلك الأقساط والفوائد على نسبة كبيرة من مصروفات الشركة القابضة، حتى بلغت نسبتها 33% من إجمالي المصروفات في العام المالي 2020/ 2021.
ولأن الشركة القابضة تحتاج إلى شراء قطع غيار ووقود، ومستلزمات إجراء الصيانة السنوية لمحطات الإنتاج وبعضها بالعملات الأجنبية؛ فقد ارتبكت أوضاعها المالية، خاصة مع تأخر جانب كبير من مستحقاتها على الجهات الحكومية التي بلغت 114 مليار جنيه حتى نهاية مايو/أيار الماضي.
الغاز الأمريكي أرخص من الغاز المصري
ومن أبرز عوامل الإرباك المالي للشركة القابضة الاتفاق مع شركة سيمنس الألمانية، لتنفيذ ثلاث محطات للإنتاج بقدرة 14.4 غيغاواتًا بتكلفة 6 مليارات يورو ممولة من القروض، في حين كان هناك فائض في القدرات الإنتاجية، أي أنه لا حاجة عملية لهذه المحطات، لتواجه الشركة القابضة مشكلة سداد أقساط مستحقات شركة سيمنس باليورو، التي زادت قيمتها بالجنيه المصري بسبب تغيّر سعر الصرف أعوام 2016 و2022 و2024.
أما زعم تحقيق فائض بالميزان التجاري البترولي في السنوات الأخيرة، أو حتى تحقيق عجز محدود بلغ أقل من 7 ملايين دولار في العام المالي 2020/ 2021، فهو أمر غير صحيح بدليل العجز الصافي الكمي في تجارة النفط منذ سنوات عديدة، ولأن تلك البيانات تتجاهل حصة الشريك الأجنبي سواء في إنتاج النفط أو الغاز الطبيعي، التي تصل إلى حوالي نصف الإنتاج، وقد تزيد على ذلك ببعض المشروعات، وهو ما يعني أيضا عدم صحة مزاعم تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي عام 2018، لأن تلك المزاعم كانت تضيف حصة الشريك الأجنبي ضمن النصيب المصري.
وكذلك مزاعم دعم الحكومة للكهرباء التي تفندها بيانات الحساب الختامي للموازنة الحكومية، حيث خلت منها موازنات السنوات المالية الثلاث من 2019/ 2020 إلى 2021/ 2022. أما موازنة عام 2023/ 2024 التي لم تصدر بياناتها الختامية بعد فتتوقع دعمًا للكهرباء بقيمة ملياري جنيه، كما يتوقع مشروع موازنة العام المالي الحالي دعمًا للكهرباء بقيمة 2.5 مليار جنيه، وهو أمر قد يحدث أو لا يحدث.
وقال وزيرا البترول والمالية السابقان إن هناك دعمًا للكهرباء ضمن دعم المشتقات البترولية، مستندين على أنه يتم بيع مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي لمحطات إنتاج الكهرباء بقيمة 3 دولارات، بينما تكلف تلك الكمية 4.25 دولارات. وهنا نذكر أن سعر الغاز الطبيعي بالولايات المتحدة الأمريكية بلغ متوسطه العام الماضي 2.54 دولار لمليون وحدة حرارية بريطانية، وانخفضت القيمة إلى 1.6 دولار في شهر إبريل/نيسان الماضي لتعود إلى 2.5 دولار الشهر الماضي.
الأمر الذي يعني مغالاة في تسعير الغاز الطبيعي محليا، وإذا قيل إن هناك كمية من الغاز المستورد، فإن نسبة الكمية المستوردة من الغاز لإجمالي الاستهلاك المحلي منه العام الماضي كانت 11%، وكانت نسبة الغاز الأمريكي المستورد العام الماضي لجملة الاستهلاك 9%.
ارتفاع نسبة المفقود
ومن العوامل التي تتسبب في الإرباك المالي للشركة القابضة للكهرباء وعودة انقطاع الكهرباء بعد انتهاء الصيف، ارتفاع نسبة المفقود من الكهرباء إلى 21.3% موزعة على مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع، وارتفاع عدد العمالة بها إلى 138 ألف عامل في منتصف العام الماضي.
فما ذنب المستهلك لكي يتحمل تكلفة مرتفعة لإنتاج الكهرباء ناجمة عن قيمة فوائد القروض الضخمة، وكثرة عدد العمالة، وارتفاع نسبة المفقود، وعمليات سرقة الكهرباء، ومعامل تكرير بترول قديمة ذات إنتاجية منخفضة؟ خاصة مع وجود وضع احتكاري لكل من الشركة القابضة للكهرباء والشركة القابضة للغاز وهيئة البترول، مع غياب أي دور لمرفق تنظيم الكهرباء وحماية المستهلك، المنوط به حماية حقوق مستهلكي الكهرباء.
