إذا عرف الأمريكيون

الصحفية الأمريكية أليسون وير مؤسسة موقع ومنظمة "إذا عرف الأمريكيون" (منصات التواصل الاجتماعي)

يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في كلمته المتوقعة أمام الكونغرس الأمريكي نهاية هذا الشهر يونيو/حزيران 2024 لأن يمسح عن نفسه وصمة مجرم الحرب الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، وأن يعزز تأثير تل أبيب والصهيونية في السياسات الداخلية للولايات المتحدة، بعدما دارت العجلة باتجاه انتخابات الرئاسة نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وقبل أيام، قالت مصادر للصحافة في واشنطن وتل أبيب مع اختتام زيارة وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت للولايات المتحدة إن حجم المعونة العسكرية الأمريكية للجيش الإسرائيلي خلال حربه على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بلغ 6,5 مليارات دولار، مع تلبية طلبات تسليح إضافية جديدة لاستمرار الحرب.

أمريكا وأمريكا الأخرى

لكن ثمة أمريكا وأمريكا أخرى مختلفة يتصارعان. وينعكس احتدام هذا الصراع حول غزة وفلسطين عموما في تقرير للغارديان البريطانية في 24 يونيو الماضي بعنوان “وثائق إسرائيلية تكشف عن جهود حكومية واسعة النطاق لصياغة الخطاب الأمريكي عن غزة”.

ويستند التقرير إلى محاضر الكنيست وميزانية “الدولة” في إسرائيل ليكشف عن ضخّ حكومة نتنياهو نحو 8,2 ملايين دولار بشكل طارئ في جماعات ومنظمات اللوبي الصهيوني الأمريكية، وذلك بهدف مواجهة حركة الوعي والاحتجاجات بين طلاب الجامعات وعند عموم الرأي العام بالولايات المتحدة تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، ومن أجل تشريعات جديدة توسع من مفهوم “معاداة السامية” لقمع نقد الحكومات الإسرائيلية والممارسات الصهيونية ولتجريم المقاطعة.

وأفادت الصحيفة البريطانية، بعد استقصاء وتحقق، أن الأموال التي تدفقت من إسرائيل على هذا النحو تنتهك قوانين الولايات المتحدة؛ إذ جرت بعيدا عن الشفافية، ودون إبلاغ وزارة العدل بتمويلات من الخارج للتأثير في صنع القرار السياسي، فضلا عن المساس بحرية التعبير ومبادئها المقررة في الدستور والقوانين الأمريكية.

فيندلي الذي

تجرأ على الكلام

كان الكتاب/ الشهادة الغنية بالمعلومات والحقائق للنائب الجمهوري الأمريكي بول فيندلي عن دور اللوبي الصهيوني في التأثير في صناعة القرار ببلاده من الأهمية بمكان عند إصداره 1985؛ وذلك لكشفه آليات التأثير والضغط. ولذا سارعت مطابع بيروت قبل نهاية العام بالدوران بترجمة عربية له تحت عنوان: “من يجرؤ على الكلام؟”.

حينها أثرى هذا الكتاب النقاش عندنا بشأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ومعها اجتهادات في الإجابة عن السؤال: من يقود من: أمريكا أم إسرائيل؟ أم أن العلاقة تفاعلية في الاتجاهين.

وجاء كتاب فيندلي مع حديث عن بدء “حقبة الهيمنة الصهيونية” على المنطقة بعد “كامب ديفيد” السادات، وغزو بيروت وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. وكذا ما سبقها مباشرة من انحسار الوزن السياسي للنفط العربي لصالح القضية الفلسطينية بالولايات المتحدة وأوروبا، وذلك بعد صعوده بقرار خفض الإنتاج والمقاطعة في حرب أكتوبر 1973.

في ميدان معركة الوعي تجاه القضية الفلسطينية ومجمل قضايا شعوب المنطقة ومستجداتها، لا يمكن إنكار أهمية دوريات مطبوعة تقدمية ناقدة للصهيونية كانت تأتينا من الولايات المتحدة، وهذا على الرغم من نخبويتها ومحدودية توزيعها. ويتقدمها “الواشنطن ريبورت” و”ميريب” و”النيويوركر”. وقد أصبح بالإمكان متابعتها وغيرها الآن عبر مواقعها الإلكترونية الغنية بالتحليلات.

وجبات معلوماتية

للمواطن الأمريكي

واليوم ومنذ حدث 7 أكتوبر تبرز بالإنترنت مواقع أخرى لمنظمات وصحف مستقلة أمريكية تخوض الحلقة الجديدة الراهنة من معركة الوعي هذه بشجاعة ومهنية، وبالاعتماد على المعلومة الصحيحة الدقيقة.  وقد تجندت لمهمة أن تكشف للمواطن الأمريكي أضاليل الساسة ومصالح قوى “البزنس” وصناعة وتجارة السلاح و”الميديا” بشأن ما يجري في فلسطين المحتلة وأسس الصراع وجديده. وهذه المرة العين على مخاطبة جمهور أمريكي أكبر انطلاقًا من مصالحه وحقوقه، وما قيل له عن “القيم الديمقراطية الأمريكية المؤسسة وأخلاقيتها”.

ونتوقف كمثال عند منظمة “إذا عرف الأمريكيون” وموقعها الإلكتروني. وهذا لأنها تركز على تقديم خدمة معلوماتية موثقة ودقيقة، مبسطة ومقارنة للتعريف بحقائق قضيتنا الفلسطينية والصراع مع الصهيونية وإسرائيل. كما توضح الأعباء التي يُكلَّفها المواطن الأمريكي جراء دعم هذا القتل والتدمير والتهجير المجنون في منطقتنا منذ حلول الصهيونية بها. وهذا أمر مهم في مخاطبة مجتمعها.

10 ملايين دولار يوميا

مساعدات عسكرية لإسرائيل

في آخر وجبة معلوماتية عند “إذا عرف الأمريكيون” عن حجم المساعدات العسكرية لآلة القتل والدمار الإسرائيلية وأعبائها على المواطن الأمريكي دافع الضرائب، يتضح أن الإدارات الأمريكية بمباركة الكونغرس منحت تل أبيب (عصابات فدولة) منذ 1946 نحو 260 مليار دولار. ومع أخذ التضخم وتغير قيمة العملة في الاعتبار يقدر المبلغ حاليا بنحو 320 مليارا.

وتقول “إذا عرف الأمريكيون” إن متوسط ما يتحمله دافع الضرائب الأمريكي يوميا بـ 10,5 ملايين دولار على الأقل. لكن هذا العبء مثقل أيضا بإضافات ناجمة عن كون إسرائيل، الدولة الأولى دوما على قائمة المساعدات الأمريكية، تتفرد بالحصول على الأموال دفعة واحدة في بداية السنة المالية، وليس على أقساط ربع سنوية كغيرها من الدول التالية لها بقائمة المعونات. وهو ما يعني اقتراض الإدارات الأمريكية لهذه الأموال من البنوك، ودفع فوائد عنها طوال العام، مما يزيد أعباء دافعي الضرائب بنحو مئة مليون دولار على الأرقام المعلنة.

ومما لا يمكن حسابه وحصره من أعباء ومغارم بالدولار، وفق موقع المنظمة، أن واشنطن تضع الأمريكيين في حالة حرب وعداء مع ضحايا الصهيونية بالشرق الأوسط، وذلك بالإصرار على الانحياز دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا واستراتيجيا لإسرائيل وعدوانيتها وإرهابها وتمييزها العنصري.

وهذا يناقض المصالح القومية الأمريكية ويهددها. ويضاف إلى هذه الأضرار خرق القوانين والمبادئ والقيم الأمريكية ذاتها، ومعها المواثيق والمعاهدات الدولية، وتأثيره سلبا على الصورة الذهنية للولايات المتحدة في العالم.

عن شجاعة

أليسون وير

تستحق السيدة مؤسسة هذه المنظمة وموقعها الإلكتروني الصحفية والناشطة أليسون وير التقدير لشجاعتها وجهودها ومثابرتها في كشف الانحياز للإرهاب الصهيوني الإسرائيلي وتحديه. وهي لا تخشى الإعلان عن المنظمات والشخصيات الداعمة للصهيونية يوما بعد يوم، وتتيح بالإحصاءات الموثقة الحقائق، قديمة ومستجدة، عن القضية الفلسطينية، وبينها أعداد الضحايا قتلى ومصابين وأسرى معتقلين، ومقارنتها بالخسائر الإسرائيلية.

وإليها ومنظمتها تعود مبادرة نشر إعلان في النيويورك تايمز في 12 ديسمبر/كانون الأول 2012 يوضح بالخرائط الجغرافية: كيف خسر الشعب الفلسطيني أرض وطنه بين 1946 و2010؟

تقف هذه الأمريكية الشجاعة، ومعها مجموعة عمل منظمتها وائتلاف “مجلس المصلحة الوطنية” الذي تترأسه، صامدة أمام حملات تستهدفها منذ أن تحررت من الأكاذيب والخداع، واكتشفت إنسانيتها، وأخذت على عاتقها مساعدة مواطنيها كي يتحرروا أيضا.

وجاءت نقطة التحول عندما غادرت صحيفة محلية بكاليفورنيا كانت ترأس تحريرها لتطوف بالضفة الغربية 2001 خلال انتفاضة الأقصى، فترى بأم عينيها ما تحجبه “ميديا” المال والأعمال العملاقة وتزيفه، وإن كان بسنوات شبابها قبس من نضالات الأمريكيين الأحرار، مع “حركة الحقوق المدنية”.

وفي هذا ما يدعونا إلى التفكير في هذا الخطاب العربي، الذي ما زال يرى تعميما أن “كل الأمريكيين” سواء، وأنهم يستأهلون إظهار العداء أو الخضوع، أو مزج الأمرين معا، ويغمض عينه عن أمريكا أخرى ضد الصهيونية والاستبداد والفساد والزيف، ومع حقوق الشعوب والإنسان في كل مكان.

بل على نحو قد لا نجده عندنا، وبين قومنا وأهلنا أحيانا.

———————-

https://ifamericansknew.org/

رابط موقع “إذا عرف الأمريكيون”

المصدر : الجزيرة مباشر