مناظرة بايدن وترمب تفضح التأييد الأمريكي لاستمرار الحرب

جو بايدن (يمين) ودونالد ترمب ورسائل إلى الناخبين قبل المناظرة (غيتي)

رغم اختلاف بايدن وترمب في كل القضايا فإنهما يتفقان في الموقف المعادي للفلسطينيين والعرب، وقد كشفت المناظرة بين الرئيسين الحالي والسابق أن لا فرق بينهما فيما يخص حرب الإبادة الجارية في غزة، فكلاهما يدافع بكل قوة عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ويؤيد استمرار العدوان، وكلاهما يلتزم بتقديم السلاح والمال، وتلبية مطالب الإسرائيليين في حربهم الهمجية بزعم القضاء على حماس.

في العالم العربي لا تشغلنا كثيرا القضايا التي يختلف حولها الرئيسان المتنافسان، مثل المهاجرين والإجهاض والضرائب والرعاية الصحية وحرب أوكرانيا والموقف من روسيا والصين وغيرها من الموضوعات، وكنا ننتظر ظهور تباين في المواقف تجاه غزة، وظننا أن حجم المعاناة الإنسانية والفشل العسكري الإسرائيلي قد يحدث تغييرا ولو طفيفا، من باب كسب أصوات الأمريكيين الرافضين للحرب لكن هذا لم يحدث.

كرر بايدن الاتهامات الكاذبة ضد حماس، وزعم أنها ترفض إنهاء الحرب، ولكنه فضح هدف إدارته وهو القضاء على حماس ومنعها من الاستمرار في حكم غزة، وأشار إلى أن المخابرات الأمريكية تعمل على التخلص منها، بينما كذب ترمب بايدن، وأكد أن إسرائيل هي التي ترفض وقف الحرب وليس حماس، ودعا لمساعدة الإسرائيليين في الاستمرار حتى تحقيق أهدافهم!

أكدت المناظرة أن لا خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين، وأن الطبقة السياسية الأمريكية يسيطر عليها اللوبي الصهيوني الذي لا يسمح بتقديم أي تنازل، ولا يقبل إلا بإظهار الدعم المطلق للاحتلال الذي يمارس الجرائم، ومن غير المتوقع ظهور أي موقف أمريكي إيجابي يراعي صورة أمريكا أمام بعض الدوائر في مناطق نفوذها، أو حتى لتخفيف حالة الإذلال التي يعيشها الحكام التابعون الذين وضعتهم الحرب في مواقف مهينة.

شيخوخة أمريكا

كشفت المناظرة أن الولايات المتحدة تعيش حالة من الشيخوخة المتأخرة، وتيبس القيادة في الحزبين، فلا أحد في الحزب الديمقراطي يستطيع إقناع بايدن الذي تجاوز الـ 81 عاما بالتنحي، ولا أحد يجرؤ على مطالبته بترك المكان  لمرشح أصغر سنا رغم وضوح تدهور حالته الصحية والذهنية، وأيضا في الكيان المنافس لم يستطع الحزب الجمهوري تقديم مرشح أفضل من ترمب الذي تجاوز الـ 78 عاما وتلاحقة الفضائح والقضايا.

كان كبر السن موضوعا رئيسيا في المناظرة، إذ حاول كلاهما إثبات أن صحتة جيدة ويستطيع لعب الجولف، وأن حالته العقلية أفضل من الآخر، ولكن ظهرت حقيقة الحالة الذهنية في ذهول بايدن وعدم القدرة على النطق بالكلمات، وإصرار ترمب على ترديد أكاذيب عن قوته الخارقة التي كانت ستمنع طوفان الأقصى وحرب أوكرانيا، والحديث مرارا عن الهجرة أثناء الكلام في ملفات أخرى!

إن التنافس بين بايدن وترمب وعجز الحزبين عن تجديد دماء القيادة يشير إلى أن الولايات المتحدة في حالة تراجع، وهذا الضعف السياسي ناتج عن حالة الأفول الأمريكي على كل المستويات وفي كل الساحات، التي بدأت مع خسارة الحروب في العالم الإسلامي، وبداية الانسحاب التدريجي من العالم، بعد الانكسارات العسكرية التي بدأت في العراق ثم الانسحاب المهين من أفغانستان، والآن مع الفشل الأمريكي في غزة، الذي سيجرد أمريكا من أي مسحة أخلاقية، وسيجعلها دولة منبوذة.

العدوانية واستباحة الإبادة

أكدت المناظرة أن الرهان على الموقف الأمريكي في وقف العدوان على غزة خاسر؛ فالجمهوريون يتفقون مع الديمقراطيين على استمرار الحرب، وتراودهم ذات الأحلام والأوهام باستسلام حماس ورفع الراية البيضاء حتى ولو بإفناء كل الفلسطينيين في القطاع، وهذا الموقف الداعم للاحتلال هو الذي يجعل نتنياهو وشركاؤه يواصلون الإبادة ولا يحترمون أحدا، ولا يعيرون اهتماما للقرارات الدولية التي صدرت من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحاكم الدولية.

هذا الموقف المعادي للإنسانية من الساسة الأمريكيين الذي يستبيح سفك الدم الفلسطيني يؤكد أن الغزيزة العدوانية التي ظننا أن التحضر الغربي والتقدم التقني والتحديث وضع نهاية لها مازالت حاضرة، فالقتل اليومي بأطنان القنابل، وتراه شعوب العالم على الشاشات لم يحرك مشاعر وضمائر هؤلاء السياسيين، الذين يبدون وكأنهم دمى بلاستيكية بلا قلوب، ولا تؤثر فيهم مشاهد أشلاء الأطفال الصغار والرضع الذين تمزقهم الأسلحة التي يرسلونها بكل فخر!

تجسيد شخصية دراكولا

السياسيون الأمريكيون الذين يدعمون الإبادة ويتنافسون على دعم القتل الجماعي للفلسطينيين طوال 9 شهور نرى فيهم تجسيدا لشخصية مصاص الدماء دراكولا: هذا الكائن الأسطوري الذي يعيش على مص دماء الضحايا، ويجعلنا موقفهم المتوحش نتساءل عن ما هو عدد القتلى المطلوب حتى يشبع بايدن وترمب ومؤيدوهما ليوافقا على وقف الإبادة في غزة؟!

الحقيقة أن هذه العدوانية الأمريكية والإسرائيلية تنتعش وتزداد حماسة طالما لم تجد موقفا عربيا حقيقيا مساندا لغزة يخيفهم ويردعهم، بل يدعي الإعلام الأمريكي أن النظام العربي -المتعاون والمتخاذل- يوافق على المشاركة في خديعة خطط اليوم التالي، وموافقة زعماء عرب في الغرف المغلقة على التخلص من حماس، مما ساهم في تشجيع الإجرام الصهيوني وساعد الساسة الأمريكيين على مواصلة تسليح الاحتلال بالأسلحة الذكية والعمياء.

وما لم يعلن قادة الدول العربية الأعضاء في “تحالف أبراهام” رفضهم للمشاركة في خطط اليوم التالي لمساعدة الاحتلال في إدارة القطاع فإن الإبادة مستمرة ولن تقف عند حدود غزة، فمصاص الدماء لن يشبع، ولم يعد مقنعا الاختباء خلف مساعي إقامة “الدولة الفلسطينية” للتهرب من واجب اللحظة وهو وقف الحرب.

المطلوب هو الإعلان بوضوح عن رفض المشاركة في الخطط الصهيونية لليوم التالي، لأنهم لن يستطيعوا تنفيذ المطلوب منهم وستلاحقهم تهم الخيانة، وحسنا فعل وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي عندما قال: “لن ننظف وراء نتنياهو ولن نرسل قوات إلى غزة لتكون بديلا عن قوات الاحتلال الإسرائيلي” وهو تصريح بالغ الأهمية، وفي انتظار ذات الموقف من قادة الدول التي يردد الإسرائيليون ليل نهار تورطهم في خطط السيطرة على غزة.

ليت قادة العرب الذين يختبئون الآن أن يصححوا أخطاءهم ويتبرؤون من المشاركة في الإبادة، ويعلنون بوضوح أنهم لن يرسلوا قوات إلى غزة تحت أي مسمى، وأن غزة سيديرها الفلسطينيون بأنفسهم، فإذا خلصت النوايا وفعلوا ذلك ستسقط الخطط الأمريكية وستتوقف الحرب وسينسحب الاحتلال الإسرائيلي ذليلا مدحورا.

المصدر : الجزبرة مباشر