عبد الحليم حافظ بائع الوهم الثوري

يا شعب يا واقف على باب النهار
قربت بصمودك طريق الانتصار
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وزرعت من تاني الأمل في كل دار
واتجمعت كل الأيادي
من كل بيت طلعت تنادي
على الطريق وتقول بلادي
عبد الحليم حافظ من أصدق من غنى للوطن. لم يكن بائعًا للوهم بل خريطة حب لمن يدرك معنى الوطن، كان حليم صادقًا في كل ما قدّم من أغنيات عاطفية كانت، وطنية، أو دينية، حتى الأدعية التي قدمها من كلمات الشاعر الكبير عبد الفتاح مصطفى مع محمد الموجي كان عبد الحليم ساحة صدق وإيمان، فلماذا يتهم مع المبدع الأشهر صلاح جاهين، والملحن الفريد كمال الطويل أنهم باعوا للمصريين والعرب الوهم الثوري؟ وهل كان ما قدموه هو بالفعل نوعًا من الوهم أو التخدير لهذا الشعب؟
لماذا هؤلاء فقط؟
وعندما يأتي الحديث عن الأغنية الوطنية المواكبة للحدث الأكبر في تاريخ أمتنا العربية لا يتذكر أحد إلا هؤلاء الثلاثة فقط علمًا بأن عبد الحليم حافظ لم يقف في تعامله الفني مع جاهين والطويل فقط، بل تعاون مع شعراء كبار وملحنين آخرين. مثلًا مع عبد الوهاب قدّم الله يا بلادنا عام 1956 في أعقاب العدوان الثلاثي.
في هذه الأغنية كان عبد الحليم أثناء العدوان في لندن، وحين وقع العدوان حاول أن يعود إلى مصر فلم يستطع، وأقام في لبنان حتى انتهاء العدوان، وعندما عاد قدّم الله يا بلادنا من تأليف أنور عبد الله وألحان محمد عبد الوهاب، الذي قدّم معه أيضًا الوطن الأكبر مع مجموعة المطربين العرب شادية، وردة، فايدة كامل، نجاة الصغيرة.
أيضًا قدّم عبد الحليم مع الشعراء الكبار أحمد شفيق كامل، محسن الخياط، عبد الرحمن الأبنودي، ومع الملحنين محمد الموجي، بليغ حمدي، عبد العظيم محمد، وغيرهم من الشعراء والفنانين، لم يقف تقديم الأغنية الوطنية لعبد الحليم حافظ عند ملحن أو شاعر معين، لكن مشواره الأكبر كان مع ثنائي جاهين والطويل، وأيضًا مع الأبنودي وبليغ حمدي خاصة في أغانيهم أثناء وبعد حرب يونيو/حزيران 1967، وفي تلك الفترة شهد تعاونًا مع محمد حمزة، عبد الرحيم منصور.
لم يكن حليم وجاهين والطويل فقط من قدّموا الأغنية الوطنية التي تغنت بالثورة المصرية وأحلامها وتطلعاتها في الحرية والاشتراكية والوحدة، فلا يوجد مطرب، ملحن أو شاعر إلا قدّم أغاني وطنية يأتي على رأس هؤلاء سيدة الغناء العربي أم كلثوم، الموسيقار محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، شادية، وردة الجزائرية، محمد فوزي، محرم فؤاد، فايزة أحمد، نجاة الصغيرة، فايدة كامل.
لماذا يستهدفون “حليم” فقط؟
هل استهداف الثلاثي حليم، جاهين الطويل، لأن اسم عبد الناصر جاء في نصوصهم الغنائية كما في يا جمال يا حبيب الملايين، أو بستان الاشتراكية، أم كلثوم قدمت أغنيات بها اسم ناصر مثل أغنية يا جمال يا مثال الوطنية تأليف بيرم التونسي ألحان رياض السنباطي.
محمد عبد الوهاب قدّم أغنية بعنوان نسمة الحرية وكان يصف بها جمال عبد الناصر، ستجد اسم عبد الناصر كرمز للثورة والأمة في أغان أيضًا لفريد الأطرش الذي قدّم أغنية حبيبنا يا ناصر، صباح قدمت أغنية أنا شفت جمال من تأليف مرسي جميل عزيز وألحان محمد الموجي، محمد فوزي، وشادية، فهل كان الثلاثي المتهم بتزييف التاريخ وبائعي الوهم للشعب العربي هم فقط من غنوا للثورة وناصر؟
الإجابة قاطعة لا، فلم يكن حليم، جاهين، والطويل، هم من قدّموا إبداعهم للثورة، حتى بعض من دخلوا سجون عبد الناصر لم يستطيعوا أن يتخلوا عن حلمهم مع عبد الناصر والثورة فقدّموا أغاني وقصائد تتواكب مع وطنيتهم وأحلامهم للثورة المصرية الكبرى.
كذلك لم يقف إبداع الفن والثقافة عند حدود الأغنية، بل امتد لكل مجالات الثقافة والفنون كتعبير عن حالة عامة عاشها الوطن، أما قضية الثلاثي جاهين، الطويل، وعبد الحليم حافظ، ومعهم الموزع الموسيقي والملحن علي إسماعيل فكانت لأنهم الأكثر قربًا والتصاقًا بميلاد يوليو.
ولدوا ثلاثتهم مع الثورة، وحملوا أحلامها وصاغوا بياناتها وكلماتها في أغانٍ تنتشر بكل شارع وحارة، قرية ونجع مصري، وتلك كانت خطورة ما قدمه هؤلاء الثلاثي المبدع، أن اتهامهم جزء من اتهامات طالت جمال عبد الناصر، ووصفهم بصناع الوهم جزء من حملة على يوليو وقائدها المتهم أنه قائد الوهم العربي، فهل باعوا فعلًا الوهم؟
أوهام عبد الحليم حافظ الثورية
المفتاح في هذا المقال جزء من أغنية البندقية للشاعر محسن الخياط والملحن العربي الذي سبق الجميع موسيقيًا بليغ حمدي، والكلمات مع لحن بليغ وتوزيع على إسماعيل تشي بواحدة من القيم التي اتهموا عبد الحليم أنه كان موهومًا بها، ويعيبون على عبد الحليم تقديمها.
الصمود واحدة من الأوهام التي صدّرها للناس، فلماذا الصمود ما دمنا نستطيع أن نسالم العدو ونستسلم له؟ فلا طاقة لنا بما أعد لنا من طائرات وصواريخ، دبابات، فلا طاقة لنا بها، الاستسلام بديل الصمود، هنا القضية ليست يوليو ولا ناصر، ليس دفاعًا ولا هجومًا، القيمة هنا واضحة، شعب يصمد ويقترب من تحقيق النصر بهذا الصمود
بلادي بلادي يا بلادي
أنا نار تحرق أعاديكي
بلادي يا بلادي أنا دمي نيل يرويكي
بلادي يا بلادي استشهد فدا أراضيكي
أليس هذا الوهم الذي باعه عبد الحليم قيمة خالدة على مر الزمان؟ الموت والفداء للوطن، إلا ترون ما يحدث في غزة من تضحيات وفداء من كل طفل، سيدة، رجل، وشيخ، إلا ترون أن دماء أبناء غزة تروي أرض فلسطين فتقرب حلمًا أكبر هو التحرير؟ وفلسطين حرة من النهر إلى البحر.
وفلسطين واحدة من قضايا عبد الحليم التي لم تغب عن أغلب أغانيه الوطنية، فهل كان عبد الحليم موهومًا حين يطالب ناصر في أغنية مطالب شعب بتحرير فلسطين؟
عايزين عايزين يا جمال عايزين
عايزين الوحدة الوحدة لأراضينا
نرجع وياك للقدس هناك
وفي حيفا ويافا تطوف بينا
الوحدة كلمة لا يستطيع سماعها كل أعداء الأمة العربية، لذا فحين يغني لها عبد الحليم فلا بد من اتهامه ببائع الأوهام، ألا ننادي كلنا اليوم بموقف عربي موحد للأمة في مواجهة ما يحدث في فلسطين؟ وإذا كانت يوليو وناصر لم يستطيعوا تحقيق حلم التحرير لفلسطين، أليس الوضع الآن مناسبًا؟ أو أليس حلم وحدتنا لمساعدة أهلنا في غزة قيمة خالدة رسخها عبد الحليم في أغانيه؟ قولوا ما شئتم في ناصر وجاهين وحليم، ولكن فكروا في قيمهم الخالدة.
ولا يزال لأوهام عبد الحليم التي باعها للمصريين عن فلسطين وأحلام التصنيع، والعدالة، الحرية والجهاد، الكثير من التفاصيل في أحلام عبد الحليم حافظ وجيل كامل للمصريين بعد ثورة يوليو نستكملها في المقال المقبل.
