الفروسية في زمن الميركافا

أخرق من تتساوى عنده قيم الفروسية مع خطايا الهمجية، فالمغرض وحده هو من يبيع النبل بالخسة والصدق بالأكاذيب، ولقد “قطعت” الأهوال والمعارك والبيانات المصورة من قطاع غزة “قول كل خطيب”، حتى أضحى لا يجادل فيها إلا خبيث أو منتكس الفطرة.
وما يدهشني بشكل خاص هو البون الشاسع، والتمايز الواضح بين كلا المعسكرين، بين القيم النبيلة التي تمثلها فروسية المقاومة وبين الهمجية المنحطة التي تتبدى مع كل اعتداءات المحتل الإسرائيلي.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ولكن لماذا كانت كلمة الفروسية في رأيي هي الكلمة المناسبة لوصف الحالة التي صنعتها وتمثلها المقاومة؟ كانت كذلك لأن مصطلح الفروسية وهي كلمة عربية النشأة إسلامية الأصل هو مصطلح يتجاوز مفهوم الاستخدام الحربي للخيول، ومفهوم الدفاع عن النفس، ويرتبط أكثر بالعصر الذهبي للإسلام حيث يشمل مجموعة من القيم والمثل الرفيعة على رأسها: البطولة الحربية والقوة والشجاعة والإقدام والعزة والشرف والصدق والصبر ومناصرة الضعيف والدفاع عن الحق وإكرام النساء ورعاية الحرمات وحسن معاملة الأسير.
وكما يقول الأصمعي: “لم يكن الخيل حيوانًا ينقلهم بين الأماكن، بل كان سرًّا من أسرار عزتهم وقوتهم وكرامتهم”.
ومصطلح الفروسية لم يظهر في الغرب إلا بجوهر مشوّه وطقوس غريبة في القرن السادس عاشر الميلادي، وهو ما يعترف به ول ديورانت في كتابه “قصة الحضارة” حيث يقول عن الفروسية الغربية: “من العادات الألمانية القديمة عادات التعليم العسكري بعد أن تأثرت بأساليب المسلمين في بلاد الفرس، والشام، والأندلس”. ويضيف: “وبالأفكار المسيحية المتصلة بالخشوع والأسرار المقدسة، ومن هذه كلها نشأ نظام الفروسية، وهو نظام لم يبلغ حد الكمال ولكنه نظام نبيل كريم”.
من يضحي؟ ومن يُجن؟
لا وجه لمقارنة بسالة وتضحية وكفاءة المقاوم الفلسطيني مع جبن وفشل وإجرام المقاتل الإسرائيلي، فالأول كل ضحاياه من أفراد القوات المسلحة لعدوه المتمترسة في دبابات الميركافا والآليات والجرافات، أما الثاني فمعظم ضحاياه من أبرياء النساء والأطفال والعجائز والمدنيين الآمنين في الساحات والمدارس والمستشفيات والخيام والمنازل البسيطة، كما أن الأول يتسابق متطوعًا ليضحي بحياته مقبلًا غير مدبر من أجل قضيته العادلة، أما الثاني فيتهرب من التجنيد متمارضًا أو منتحرًا، والشواهد تفوق الحصر.
وقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية مؤخرًا عن أن نظام الصحة العقلية في إسرائيل يتجه إلى الانهيار، وأن 10 آلاف جندي على الأقل طلبوا خدمة الصحة العقلية حيث ترتفع أعداد الجنود المصابين بأمراض نفسية بسبب هول مشاهد الحرب.
سقوط الأكاذيب
ما يحدث في الأراضي المحتلة على مرأى ومسمع من العالم جعل الاتهام الرسمي لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بالإبادة الجماعية أمرًا طبيعيًّا ومستحقًّا، وتكرر الأمر أيضًا مع إضافة القوات المسلحة الإسرائيلية إلى “قائمة العار” التي تضم الأطراف المتحاربة التي ترتكب انتهاكات جسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة.
وقد نسبت الأمم المتحدة بالفعل أكثر من 8700 ضحية من الأطفال إلى القوات الإسرائيلية بين 2015 و2022، وخلص تقريرها الجديد إلى أن القوات الإسرائيلية مسؤولة عن 5698 انتهاكًا، بما فيها قتل وتشويه الأطفال والهجمات على المدارس والمستشفيات.
ومع تلك الجرائم والانتهاكات وممارسات الإبادة الجماعية وقتل الأبرياء من النساء والأطفال والمدنيين سقطت كذبة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وأصبحت من الماضي ضمن العديد من الأكاذيب التي سقطت مع استمرار تلك الحرب.
وفي مقابل إزاحة الرواية الإسرائيلية التي انتشرت في وسائل الإعلام منذ بداية طوفان الأقصى، سطعت روايات أخرى تكشف مدى صدق ونبل وأخلاقية المقاومة على المستوى العسكري والسياسي.
ويكفي المراقب المنصف متابعة ومقارنة بيانات المتحدث الرسمي لكتائب القسام أبو عبيدة وبيانات كل من وزير الدفاع الإسرائيلي والمتحدث الرسمي باسم الجيش، حيث يتمتع الأول بمصداقية على المستوى الداخلي والخارجي، وحديثه يستند إلى شرعية المقاومة ومشروعية التحرير، وهو لا يقول إلا صدقًا وبشكل موثق، حتى نال حديثه ثقة المواطن العربي والشعب الإسرائيلي على حد سواء، وهو ما افتقدته تصريحات قادة الكيان الإسرائيلي بشكل عام خاصة مع وجود استخفاف وتماد وكذب متعمد، وتعتيم كامل على أرقام الخسائر.
بيننا وبينكم الأسرى
أول ما تكشف عنه شهادات الأسرى من الجانبين أنه لا وجه للمقارنة بين معاملة الأسرى لدى كتائب عز الدين القسام، والأسرى لدى العدو الإسرائيلي.
ولقد أدهشت مشاهد تسليم الأسرى المصورة المراقبين والساسة لحرارة وداع الأسرى الإسرائيليين لآسريهم وثنائهم عليهم، وذلك مع وجود انتهاكات مروعة تحدث للأسرى الفلسطينيين تشمل القتل والتعذيب وغيرهما من الانتهاكات.
ولن نسوق من عشرات الأمثلة إلا شهادة واحدة كانت هي التي نبهت هيئة البث الإسرائيلية إلى السيطرة على اللقاءات التي تُجرى مع الأسرى، فمع أول مؤتمر صحفي أقيم لعودة الأسرى قالت إحدى المسنتين الإسرائيليتين اللتين أطلقت حماس سراحهما في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023م إنها ومن معها من الأسرى تلقوا معاملة جيدة من قبل مقاتلي حركة حماس الذين كانوا ودودين معهم، واهتموا باحتياجاتهم ووفروا لهم الرعاية الطبية اللازمة، وكشفت المسنة يوخفد ليفشيتز (85 عاما) في مؤتمر صحفي في أحد المستشفيات الإسرائيلية عن أن عناصر المقاومة الفلسطينية الذين احتجزوها وأسرى آخرين طمأنوهم بأنهم لن يلحقوا بهم أي أذى، ووفروا لهم المأكل والمشرب خلال فترة احتجازهم، وقالت: “قالوا لنا إنهم يؤمنون بالقرآن، وإنهم لن يؤذونا، وسيعاملوننا كما يعاملون من حولهم”.
وتابعت: “كان يأتينا طبيب كل بضعة أيام ليتابع حالتنا وكان حريصا على توفير الأدوية لنا، وكنا نأكل الخبز مع الجبن الأبيض والخيار تماما مثلما يأكلون”.
وردًّا على سؤال وُجّه إليها عن سبب مصافحتها عناصر المقاومة الفلسطينية الذين رافقوها ومسنة أخرى أثناء الإفراج عنهما، أجابت بأنها فعلت ذلك لأنهم عاملوها وباقي الأسرى بشكل جيد واهتموا بجميع احتياجاتهم: “لقد عاملونا معاملة جيدة، واهتموا بكل التفاصيل”، وتابعت: “لقد خططت حماس لكل شيء منذ فترة طويلة، لقد أعدوا كل ما نحتاجه، بما في ذلك الشامبو والبلسم”، وانتقدت المسنّة الإسرائيلية الجيش وجهاز الأمن الإسرائيليَّين وقالت “إن نقص كفاءة الجيش والشاباك أضر بنا كثيرا، لقد كنا كبش فداء للحكومة”.
