قصة استعباد نصف مليون مصري.. في أطروحة دكتوراة بجامعة نيويورك!

الباحث الأمريكي كايل جون أندرسون (الجزيرة مباشر)

 

في لقطة شهيرة من فيلم روائي أشهر، يلقي ممثل مصري مخضرم جملة أصبحت دارجة وأكثر شهرة، وهي “كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة”، لكن تدقيقًا في باقي حوار المشهد الذي جرى على لسان النجم الراحل محمود المليجي وتضمَّنه فيلم “الأرض” الذي أخرجه يوسف شاهين سنة 1970، يكشف عن مأساة منسية وقعت بحق عمال وفلاحين مصريين تعرضوا للاستعباد والسخرة والتجنيد الإجباري على يد القوات البريطانية إبان سنوات الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918، خدمة للسياسات الاستعمارية للإمبراطورية التي كانت “لا تغيب عنها الشمس”.

بعد قرن كامل من عملية حشد الفلاحين والعمال المصريين عنوة، ونقلهم لخدمة قوات الاستعمار البريطاني في جبهات عدة، فتش المؤرخ الأمريكي “كايل جون أندرسون” في الأرشيف البريطاني والمصادر الأمريكية والأوروبية والمصرية عن تفاصيل ما جرى لكي يقدم سردية مستمَّدة من أصوات متعددة، تكشف الظروف القاسية التي عمل فيها المصريون والتي أدت إلى مقتل عدد غير معروف منهم على وجه الدقة، لكنه لا يقل عن بضع عشرات من الآلاف في جبهات عدة توزع فيها أعضاء “فرقة العمال المصرية”.

في أطروحته للدكتوراة في جامعة نيويورك، توجَّه الباحث الذي يجيد اللغة العربية إلى القاهرة عام 2017، ليكمل التنقيب عن معلومات وتفاصيل عن “فرقة العمال المصرية”، لكنه لم يستطع لمدة عام كامل الحصول على تصريح بدخول دار الوثائق القومية، فاضطر إلى البحث في مصادر أخرى، وأن يتتبع أثر “الفرقة” في الأدب والفن والثقافة الشعبية والصحف المصرية بعد أن أعياه إيجاد أثر ذي بال في الذاكرة الرسمية.

أكمل المؤرخ أطروحته في 2021 وحصل بها على الدكتوراة، ثم أصدرها في كتاب حيث يزور “أندرسون” القاهرة حاليًّا لحضور حفل توقيع الترجمة العربية لكتابه “فرقة العمال المصرية”، وهو المصطلح الذي استخدمته المصادر والمراجع القليلة التي تحدثت عن دور العمال والفلاحين المصريين في الحرب العالمية الأولى.

الظروف القاسية

من المصادفات أن المركز القومي للترجمة الذي تكفل بنقل الكتاب إلى العربية اختار مترجمًا رئيسيًّا هو “شكري مجاهد”، الذي اتضح لاحقًا أنه حفيد لأحد الناجين من أعضاء “فرقة العمال المصرية”، ويحتفظ بحكايات -رواها في المقدمة- عن جده الذي فقد إحدى عينيه وأصيب برصاصة في ظهره سببت له انحناءه صاحبته حتى الممات.

وفي ندوة استضافتها نقابة الصحفيين المصريين قبل أيام، وقف المؤلف الأمريكي يشرح بالعامية المصرية الظروف القاسية التي عمل فيها أعضاء فرقة العمال المصريين، مستعرضًا أسماء وصور بعضهم وشواهد قبور بعض من قضوا نحبهم في فلسطين وفرنسا.

يكشف المؤرخ القادم من بلاد “العم سام” عن الوجه العنصري للقوات البريطانية، والتفرقة على أساس اللون في تعاملها مع المصريين من ظروف العمل القاسية لساعات طويلة حفاة في معظم الأحيان إلى ملابس غير ملائمة وطعام غير كاف وحتى بعد الموت، فبينما تتضمن شواهد قبور العمال الأوروبيين والجنود تفاصيل عن حياتهم وكيف فارقوها وما أدوه من أعمال إلا أن المصريين لا تتضمن شواهدهم سوى الاسم فقط وأحيانًا الاسم الأول فقط دون أي تفاصيل.

يكشف الباحث الأمريكي الذي لا يَعُد نفسه مستشرقًا تقليديًّا عن دور الفن والغناء كوسيلة مهمة استخدمها العمال المصريون للتخفيف والتعبير عن ظروف عملهم القاسية، فيذكر أغنية “يا عزيز عيني.. أنا بدي أروّح بلدي.. والسلطة خدت ولدي”، التي غنتها وسجلتها المطربة نعيمة المصرية من كلمات يونس القاضي وألحان سيد درويش سنة 1915، كما أن أغنية “سالمة يا سلامة.. رُحنا وجينا بالسلامة” التي قدمها فنان الشعب سيد درويش سنة 1918 ما هي إلا امتنان على لسان من شاءت أقدارهم العودة بالسلامة من غياهب معسكرات العمل خلف خطوط الجيوش البريطانية، حيث يقول أحد مقاطعها “شفنا الحرب وشفنا الضرب وشفنا الديناميت بعنينا.. ربك واحد عمرك واحد.. آدى إحنا رحنا وجينا.. إيه خس علينا.. سالمة يا سلامة”.

إحدى الإشارات النادرة

يدير “أندرسون” آلة العرض على فيلم “الأرض”، وفي جملة افتتاحية للمشهد، يقول المليجي الذي جسَّد شخصية الفلاح محمد أبو سويلم المتمسك بأرضه “ما حدش مكوي في البلد دي إلا اللي مرمي فيها”، ثم يستطرد وهو يستحضر كفاح الفلاحين المصريين وأبناء البلد “حاربنا سوا أيام الإنجليز (الاحتلال البريطاني) وأيام السلطة (إعلان مصر سلطنة مستقلة عن الدولة العثمانية)، رحنا الشام في عز البرد والتلج الحارق، وشفنا الموت بعينينا، دفنا مننا ناس في التلج، لا خفنا ولا ولينا، ليه؟ لإننا كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة”.

وفقًا للكاتب محمود التميمي الذي أدار الندوة، فإن هذا المشهد المنقول عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي هو إحدى الإشارات النادرة في السينما المصرية للدور الذي مارسته بريطانيا في تسخير مئات الآلاف من العمال والفلاحين ونقلهم إلى أوروبا والشرق الأوسط لتنفيذ أعمال لوجيستية خدمة لقوات الاحتلال البريطاني التي كانت مشاركة في معارك الحرب العالمية الأولى.

بعد بحث مُضن، لم يجد “أندرسون” سوى إشارة رسمية وحيدة عن “فرقة العمال المصرية”، حيث صدر مرسوم من السلطان فؤاد الأول في 20 من أكتوبر/تشرين الأول 1917، يتم بموجبه الإعفاء من الخدمة العسكرية لكل من تطوع عامًا بلا انقطاع في الفرقة. وبالعودة إلى تاريخ تولّي فؤاد الأول شؤون الحكم، سنجد أنه صعد إلى كرسي السلطنة في 9 أكتوبر، أي قبل المرسوم بنحو 11 يومً،ا ولا يخفى دور إنجلترا التي كانت قد أعلنت الحماية البريطانية على مصر سنة 1914 في تعيين فؤاد الأول خلفًا لعمه السلطان حسين كامل.

يلفت “كايل أندرسون” في بحثه القيّم إلى التناقض الذي دفع المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر إلى إعادة نظام السخرة فعليًّا لتجنيد العمال المصريين، لعدم قدرته على تجنيدهم متطوعين بإرادتهم، بعد أن كان يفاخر بأن إلغاء السخرة من أهم منجزاته ومنجزات الإمبراطورية البريطانية. كما يسجل الباحث الأمريكي عدم الالتزام بإعلان “ماكسويل” قائد قوات الاحتلال أن مصر لن تدخل أو تتورط في الحرب ولن يُعتمد عليها، وكذلك فرض الأحكام العرفية ومنع انعقاد الجمعية التشريعية بعد إعلان الحماية على مصر سنة 1914، ويشير أيضا إلى فرض الرقابة على الصحف التي تم بموجبها منع نشر أي مادة تتناول بالنقد أو الرفض تجنيد العمال والفلاحين لمصلحة الجيش البريطاني، أو أخبار التمرد ضد ذلك، وبالعكس فقد رصد تشجيعا في أكثر من صحيفة على الالتحاق بالفرقة بوصفها فرصة للعمل في ظل اقتصاد الحرب المنهار.

يرد “الكرباج” كوسيلة للتعامل مع أعضاء الفرقة في أكثر من موضع من دراسة “أندرسون”، وهو يتفق مع ما ذكرته الدكتورة لطيفة سالم في كتاب “مصر في الحرب العالمية الأولى” عن طريقة التعامل مع الفرقة المصرية حيث “كان الكرباج هو الوسيلة الوحيدة لتسخيرهم، وأصبح الجَلد من الأعمال اليومية في معسكرات المجندين وأي معسكرات، لا خيام، وسوء تغذية، قلة غطاء، ثم أمراض تفترسهم افتراسًا، كانوا يموتون كالذباب في الصحراء، وكثيرًا ما رُفض السماح لهؤلاء بالعودة إلى بلادهم”.

شاع الهروب والتهرب من التجنيد في الفرقة أو التمرد وإثارة الفوضى في المدن ومراكز التجميع، ويستخلص “أندرسون” بعد تتبُّع لتفاصيل ما جرى قبل أكثر من قرن أن حالة الغضب التي تولدت عن التجنيد الإجباري والاستيلاء علي الجمال والخيل مع ساستهم أو بدونهم في قرى الوجهين البحري والقبلي وانتزاع الفلاحين من أراضيهم وعائلاتهم وحشدهم مربوطين بالحبال إلى بلاد بعيدة في ظروف سيئة، ساعدتهم على إدراك هويتهم الحقيقية كمصريين، ويستنتج مباشرة أن هذا الشعور المتنامي أسهم في اشتعال ثورة عام 1919 في القرى والنجوع حيث “كان منظر الشباب المساقين من قراهم للعمل في الخارج، وكانوا غالبا مربوطين معا بحبل سميك، لا يُذكّر سكان مصر إلا بالعبودية”.

خدمات الهند وإفريقيا

لم تكن إنجلترا لتنتصر لولا خدمات فرق تم استقدامها من الهند وإفريقيا ومناطق أخرى، أما الفرقة المصرية فقد قدّمت خدمات جليلة حيث قامت بمد مئات الأميال من السكك الحديدية وأنابيب المياه بين مصر وفلسطين، وكذلك تكفلت بحفر الآبار ونقل مؤن ومعدات في جبهات عدة باستخدام فرقة الجمَّالية، وانتشرت أعمال الفرقة بين سيناء والسودان وليبيا والشام، كما تولوا أعمال الشحن والتفريغ في موانئ فرنسا وإيطاليا، وامتدت خدماتهم إلى مناطق في سوريا والعراق واليونان وموريشيوس.

يتجاهل منهج التاريخ المقرَّر على طلاب الصف الثالث الثانوي في المدارس المصرية أي ذكر لنحو نصف مليون عامل مصري تم اقتيادهم بالقوة للعمل في خدمة القوات البريطانية المتمركزة في أوروبا والشرق الأوسط، كما أن فترة الحرب العالمية الأولى، وتدهور أحوال البلاد خلالها تحت الحماية البريطانية، لم تحظ باهتمام كاف.

وفي حين تحظى أحداث اضطهاد أقل في جسامتها باهتمام كبير في الذاكرة الرسمية والشعبية، مثل حادثة دنشواي التي أعدم فيها الاحتلال أربعة فلاحين، إلا أن الدور الذي أدته “فرقة العمال المصرية” في ترجيح كفة الجيوش البريطانية في الحرب العالمية الأولى والعنصرية التي قوبلت بها، والأحوال المزرية التي صاحبت مهمتها، تفتح الباب كما يقول “أندرسون” لمطالبة الحكومة المصرية بتعويضات مالية كبيرة من بريطانيا التي فرضت الحماية على مصر وقتها، مما يمنحنا فرصة لأن نقول في المستقبل وبعيدًا عن السينما “كنا رجالة.. ووقفنا وقفة رجالة”.

المصدر : الجزبرة مباشر