مدرسة غزة للتفاوض.. استلهام خبرات السابقين

يحيى السنوار يدير معركة طويلة مع إسرائيل منذ بداية طوفان الأقصى
يحيى السنوار (رويترز)

التفاوض هو الوجه الناعم للحرب، أو هو الفصل الأخير لها، أو في إحدى جولاتها، فكل الحروب والصراعات تنتهي على مائدة تفاوض أيّا كانت نهايتها.

المفاوضات لوقف الحرب في غزة المتعثرة حتى الآن، والتي تتراجع أحيانا وتبرز أحيانا، تتشابه بشكل عام مع أي مفاوضات بين أطراف الحروب، لكنها تمتاز بخصوصية كونها تجري مع الكيان الصهيوني الذي يحمل تراثا عقديا راسخا في نقض الاتفاقات والالتفاف عليها حسب الوصف القرآني {أوَ كُلَّما عاهدوا عهدًا نبذَهُ فريقٌ منهم} (البقرة: 100)، وفي آية أخرى (الذينَ عاهَدتَ مِنْهُمْ ثُمَّ ينقضونَ عهدَهُمْ في كلِّ مرَّةٍ وَهُمْ لا يتَّقون} (الأنفال: 56).

ويمتاز المفاوضون من قادة المقاومة بميزتين أيضا، وهما العمق العقدي الذي مكنهم من معرفة طبيعة عدوهم كما شرحها القرآن، وغاص في أعماقها، والذي يمنحهم قوة وثباتا في مواجهته حربا وتفاوضا، لأنهم في النهاية موعودون بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، والميزة الثانية هي استلهام تجارب التفاوض السابقة لهم ولغيرهم مع الكيان الصهيوني في محطات متعددة.

درس القرار 242

في لقاء جمعني وآخرين مع أحد قادة حماس أخيرا، تحدث عن أجواء التفاوض، وقدرة المفاوض الفلسطيني على كشف الثغرات الدقيقة التي تتضمنها بعض المقترحات المقدَّمة إليهم، التي يبدو شكلها العام مقبولا، وفي إحدى الأوراق قدَّم الوفد الغزاوي المفاوض 50 ملاحظة تقريبا، وهو ما أدهش وأزعج الوسطاء وخاصة الوسيط الأمريكي. وحسب القائد الحمساوي، فإن الدرس المحفور في الذاكرة هو قرار مجلس الأمن الدولي 242 الذي قضى بوقف حرب يونيو/حزيران 1967، وطالب في نسخته الفرنسية والروسية والصينية بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب، بينما طالبت النسخة الإنجليزية من القرار ذاته بانسحاب إسرائيلي من “أراضٍ” احتلتها خلال الحرب، والفرق واضح بين الأراضي بحرفي التعريف “ال” وكلمة “أراضٍ” فقط، التي فسرتها إسرائيل ومَن وراءها بأن الانسحاب من أي مساحة ولو صغيرة هو تنفيذ للقرار الدولي، وظل هذا الخلاف في التفسير قائما إلى اليوم، لذلك فإن عين المفاوض الفلسطيني على كل كلمة وكل حرف، وكل فاصلة وكل نقطة، ففي اللغة العربية حين تضع حرف الواو بين كلمتين يختلف تماما عن وضع حرف أو، أو حرف ثم، لأن الواو للجمع أما الفاء فهي للترتيب باتصال و”ثم” للتأخير.

في 31 من مايو/أيار الماضي، طرح الرئيس الأمريكي جو بايدن خطة جديدة للتسوية وإنهاء الحرب، وأعلن في خطاب على الهواء مباشرة أنها ورقة إسرائيلية، وشرح أنها تتضمن وقف إطلاق نار دائم، وإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة في غزة، ودخول المساعدات، وذلك عبر 3 مراحل كل مرحلة 6 أسابيع، ووصف الخطة بأنها خارطة طريق لوقف كامل وتام لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المناطق المأهولة بالسكان في غزة، والإفراج عن المحتجزين بمن فيهم النساء والمسنون والجرحى، وفي المقابل إطلاق سراح مئات من الأسرى الفلسطينيين، مشيرا إلى أنه جرى نقل المقترح إلى حركة حماس.

محاولة إحراج حماس

أراد أصحاب الخطة إحراج حماس والمقاومة عموما، وتوقعوا رفضها لهذه الخطة، وجهزوا بالتوازي مع ذلك خطة عسكرية لاجتياح رفح، على أن يكون رفض حماس هو المبرر لهذا الاجتياح، لكن حماس فاجأتهم بالموافقة على النص الذي قُدّم إليها عبر الوسطاء من رئيس المخابرات المركزية الأمريكية ويليام بيرنز. أربكت موافقة حماس نتنياهو وحكومته، فنفذ خطته لاجتياح رفح ومن بعدها محور فيلادلفيا، وتحطيم الجزء الفلسطيني من معبر رفح!!

نقض الكيان إذَن خطة قدَّمها مفاوضوه، وراح يُدخل عليها تعديلات لاحقا بما يفرغها من مضمونها، وتنصل بشكل أساسي من التعهد بوقف نهائي للحرب، ووضع بدلا من ذلك صياغات فضفاضة على طريقة القرار 242، لكن مفاوضي حماس انتبهوا لذلك فرفضوا المقترحات الجديدة، وأكدوا تمسكهم بالوقف الدائم للحرب، والانسحاب الكامل من جميع أراضي غزة، وعودة جميع المهجرين إلى الشمال والوسط، وتوقفت المفاوضات على مدى أسابيع حتى الآن.

قبل يومين، أعلن وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن أن بلاده تبذل جهودا حثيثة للضغط على حماس لقبول مقترح الرئيس جو بايدن (الذي هو مقترح إسرائيلي بالأساس)، وحسب الأخبار المسربة فإن الولايات المتحدة أدخلت تعديلا بكلمة واحدة في المقترح لتشجيع حماس على قبوله، وهذه الكلمة هي “فقط” ضمن البند الثامن الذي ينص على  ما يلي “في موعد لا يتجاوز اليوم السادس عشر، ستبدأ مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين من أجل الانتهاء من شروط تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بما في ذلك كل ما يتعلق بمفاتيح إطلاق سراح المختطفين والأسرى”، وسيتم تعديل جملة “بما في ذلك” إلى كلمة “فقط” بعد جملة مفاتيح إطلاق سراح المختطفين والأسرى، حتى تغلق على الكيان إمكانية إعادة التفاوض على وقف النار، أو نزع سلاح المقاومة إلخ.

ضغوط متصاعدة

لم تتوقف الضغوط على حماس يوما لقبول عروض التسوية الظالمة التي كانت تُعرض عليها، لكن هذه الضغوط تتزايد الآن، حيث تريد إدارة بايدن تحقيق أي نجاح تخوض به الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولذلك فهي تسابق الزمن لإنجاح خطتها قبل العطلة الصيفية للكنيست التي تبدأ يوم 28 من يوليو/تموز الجاري وتستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل، حيث تتطلب الخطة موافقة الكنيست، بينما يريد نتنياهو إطالة أمد الحرب لتوقعه فوز ترمب.

مع تعاظم الضغوط على المقاومة، ومع تزايد معاناة أهل غزة، قد تجد المقاومة نفسها مضطرة إلى قبول خطة التسوية المعدلة رغم ما بها من أوجه قصور أخرى، ولن يكون ذلك عن جهل بأوجه القصور، ولا عن جهل بنيات العدو وداعميه، ولكنه تقدير لمعاناة أهل غزة، وبهدف التقاط الأنفاس، وإدخال قدر أكبر من المساعدات إلى القطاع.

المصدر : الجزبرة مباشر