إسماعيل هنية والشيخ ياسين.. الرفقة في النضال والشهادة

في شوارع غزة المدمرة المكتظة بالذكريات والأحلام واليأس أحيانًا، وفي زوايا المخيمات التي اعتادت على الصمود والصبر، يتردد اليوم اسم إسماعيل هنية بحزن عميق وألم لا يوصف، فاغتيال هنية وغيابه المفاجئ، زاد من قتامة المشهد في لحظة فارقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، غيابًا ترك فراغًا في نفوس أهل غزة وكل من آمن بالبندقية، فراغًا يزيد من لوعة من فقدوا ذويهم في حرب شرسة ووحشية.
كان هنية يمثل الحلم الفلسطيني، بملامح وجهه الواثقة وابتسامته التي تبعث الأمل بتحقيق النصر وعودة الحقوق، فلم يكن قائدًا سياسيًا لحركة “حماس” فقط، وإنما كان رمزًا للأمل في قلوب الكثيرين، ببساطته وقربه من شعبه، إذ كان يعيش حياة بسيطة في غزة قبل مغادرتها مرغمًا، تاركًا قلبه هناك، حاملًا هموم الحالمين بالحرية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
في لحظات الفقد هذه، ومن وحي الحركة الإسلامية الفلسطينية، نستذكر العلاقة بين إسماعيل هنية والشيخ أحمد ياسين، كواحدة من أبرز العلاقات التي أسست جذور المقاومة والصمود، إذ لم تكن علاقة قائد بجندي، بل كانت علاقة روحية وأخوية امتدت عبر سنوات طويلة من النضال والتضحية.
الإيمان المشترك بالرؤية والمستقبل
كانت رؤية الشيخ أحمد ياسين لـ”حماس” واضحة، وتتمحور حول المقاومة والتحرير، وهي الرؤية التي تبناها إسماعيل هنية بالكامل. كانا يؤمنان بأن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية يكمن في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي واستعادة الحقوق الفلسطينية. هذا الإيمان المشترك شكّل العمود الفقري لعلاقتهما، حيث استمر هنية في السير على خطى ياسين حتى بعد اغتيال الشيخ في عام 2004.
تعرف إسماعيل هنية إلى الشيخ أحمد ياسين في مراحل مبكرة من حياته، حيث كان ياسين رمزًا للإصرار والتحدي رغم إعاقته الجسدية، وتأثر هنية بشخصية ياسين القوية وبإيمانه العميق بالقضية الفلسطينية، مما دفعه للانضمام إلى حركة “حماس” التي أسسها ياسين في عام 1987. من هنا بدأت علاقة قوية ومؤثرة بين الاثنين، حيث كان ياسين بمثابة المرشد الروحي والسياسي لهنية.
عمل إسماعيل هنية بجانب الشيخ أحمد ياسين في قيادة “حماس”، حيث تميزت علاقتهما بالتفاهم والتكامل. هذا التعاون المتناغم أسهم في تعزيز موقف “حماس” وتقوية بنيتها التنظيمية، حيث استطاعا معًا مواجهة العديد من الأزمات والتحديات التي واجهت الحركة.
المحن المشتركة
في العديد من المناسبات، تعرض كل من إسماعيل هنية والشيخ أحمد ياسين للاعتقال من قبل القوات الإسرائيلية. هذه المحن المشتركة زادت من تماسك علاقتهما، حيث واجهوا السجن والتعذيب بروح صمود وإيمان قوي بعدالة قضيتهم.
لم يكن تأثير الشيخ أحمد ياسين في إسماعيل هنية من جانب واحد فقط، بل كان تأثيرًا متبادلاً، إذ إن نشاط هنية وحيويته في الميدان كانت تلهم الشيخ ياسين وتعزز من إيمانه بالشباب ودورهم في قيادة النضال. من جهة أخرى، كانت توجيهات الشيخ ودعمه المعنوي يغذيان عزيمة هنية ويزيدان من قدرته على القيادة.
تجاوزت العلاقة بين إسماعيل هنية والشيخ أحمد ياسين المصالح الشخصية والسياسية، لتصبح رمزًا للتفاهم، والنضال المشترك من أجل قضية عادلة، إذ استمر تأثير الشيخ أحمد ياسين في حياة إسماعيل هنية وفي مسيرته القيادية حتى لحظة اغتياله.
ولا بد أن نستذكر هنية الإنسان إلى جانب دوره السياسي، فقد كان يولي اهتمامًا كبيرًا بالشباب والتعليم، ولطالما آمن بأن التعليم هو السبيل لبناء مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني، وعمل على دعم المبادرات التعليمية والثقافية في غزة، فكان دائمًا يشجع الشباب على التفوق والابتكار، ويؤمن بقدرتهم على إحداث التغيير الإيجابي في المجتمع. يروي البعض عنه قصصًا عن دعمه للطلاب وتشجيعه لهم على مواصلة دراستهم رغم الظروف الصعبة.
لا تقتصر اهتمامات إسماعيل هنية على السياسة والشؤون الاجتماعية فقط، بل تشمل أيضًا الرياضة، فهو رياضي نشط ويحب ممارسة كرة القدم، حيث يُعرف عنه مشاركته في العديد من المباريات الودية مع الشباب في غزة. تُظهر هذه الروح الرياضية جانبًا آخر من جوانب شخصيته، حيث يستخدم الرياضة كوسيلة للتواصل مع الشباب وكسر الحواجز بينهم.
يبقى إسماعيل هنية شخصية إنسانية متكاملة تحمل في طياتها الكثير من القيم النبيلة والمبادئ الإنسانية، ورغم التحديات الكبيرة التي كان يواجهها كقائد سياسي، إلا أن جوانبه الإنسانية تظل تلقي بظلالها على كل ما قام به، فهو لم يكن فقط قائدًا سياسيًا بل إنسانًا يحمل في قلبه حبًا كبيرًا لشعبه، ومشوارًا حافلًا بالإنجازات على طريق تحرير الأرض.
إرهاب معنوي
من خلال اغتيال هنية، تظن إسرائيل أن المقاومة قد تتهاوى وتهتز، وتريد إيصال رسالة خبيثة تهدف إلى زرع الخوف واليأس في صفوف المقاومة الفلسطينية، ولكن يبدو أن إسرائيل لم تدرس التاريخ جيدًا، فبعد اغتيال الشيخ ياسين بـ20 عامًا، نفّذت المقاومة في السابع من أكتوبر عملية نوعية تجاوزت فيها الخطوط كلها التي رسمتها دولة الاحتلال، عملية نفّذها أبناء الشيخ ياسين وأحفاده، مفادها أن أفراد “حماس” كلهم، هم مشاريع قادة وأن المقاومة لا تنتهي باستشهاد قائد أو مقاوم، وأن فلسطين ولّادة للأبطال والمجاهدين.
