حين يتابع بوتين الانتخابات الغربية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برفقة وزير خارجيته سيرغي لافروف (الفرنسية)

(1) فرنسا وبريطانيا

بالتأكيد أن الرئيس الروسي يراقب باهتمام بالغ الانتخابات التي تجري في بريطانيا وفرنسا، فرئيس الوزراء المحافظ ريشي سوناك كان من أشد المؤيدين لدعم أوكرانيا ضد روسيا والمتوقع من استطلاعات الرأي أن يتغلب حزب العمال المعارض على حزب المحافظين بفارق كبير، وهناك تخوف يطرحه البعض من تأثير روسي في الانتخابات الجارية كما حدث في استفتاء البريكس عام 2016 الذي خرجت بريطانيا على إثره من الاتحاد الأوروبي في عهد رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون.

بريطانيا تحت حكم حزب المحافظين أو العمال ستظل الحليف الأوفى للولايات المتحدة الأمريكية ولن تخرج من تحت عباءتها ولكنها مقدمة على تغيرات تستدعي التركيز والانتباه للشأن الداخلي أكثر من مراقبة ما يحدث في أوكرانيا.

في فرنسا تحولت الانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى كابوس بالنسبة له، إذ قامر بهذه الانتخابات المبكرة بعد الهزيمة التي مُني بها حزبه الحاكم على يد حزب التجمع الوطني في انتخابات البرلمان الأوروبي. ولم يكن يتوقع أن يتكرر هذا الانتصار التاريخي لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف ليتصدر الانتخابات التشريعية الفرنسية حاصدًا أكثر من 34% من الأصوات في الجولة الأولى، في حين جاء ائتلاف “معًا” الوسطى الذي يتزعمه ماكرون في المركز الثالث بعد تحالف اليسار.

اليمين واليسار يحققان انتصارات غير متوقعة وكأن الفرنسيين قد ملوا الحلول الوسط، ويسعون لحلول مختلفة جذرية وحازمة لمشاكلهم المتفاقمة التي يراهنون على اليمين أو اليسار في تحقيقها. بعد الجولة الثانية من الانتخابات في السابع من يوليو الحالي، سيكون للحزب الذي يحصل على الأغلبية الحق في تعيين رئيس الوزراء والحكومة، وفي حال فوز التجمع الوطني بالأغلبية، فسيصبح جوردان بارديلا رئيس حزب التجمع الوطني اليميني رئيسًا للوزراء وسيشكل الحكومة في وجود الرئيس ماكرون الذي لن يتخلى عن الحكم لكنه لن يصبح منفردا بالقرار. فرنسا مقدمة على حالة عدم استقرار سياسي واستقطاب داخلي قد يصب في صالح روسيا، فرنسا أحد أعمدة الناتو، ومن المحفزين على دعم أوكرانيا.

أتخيل الزعيم الروسي جالسا على مقعده الوثير في مكتبه بالكرملين مرتاحا قرير العين، فالانتخابات في بلاده معروفة نتائجها سلفا ولا تنتهي بـ”مفاجآت”، بوتين بالتأكيد يشمت بالرئيس الفرنسي الذي لفّ الحبل حول عنقه بكامل إرادته وأقدم على انتخابات مبكرة دون دراسة تغير المزاج الشعبي الفرنسي.

ماكرون لن يجد تعاطفا أو شفقة من سيد الكرملين، فهو صاحب أكبر قدر من التصريحات المتناقضة حول روسيا، صرح مرة بإمكانية إرسال جنود فرنسيين للحرب مع الأوكرانيين ثم تبع ذلك بالحديث عن إمكانية بدء حوار مع بوتين!!! هذه الشخصية الاستعراضية المتحذلقة وضعت فرنسا على صفيح ساخن وأي أزمات في الغرب تصب في صالح روسيا.

(2) الانتخابات الأهم

تعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، الانتخابات الأكثر متابعة وأهمية في جميع أنحاء العالم، فما زالت أمريكا صاحبة أقوى اقتصاد وأقوى جيش وأقوى نفوذ وتأثير في دول العالم والمنظمات الأممية. العالم تابع باهتمام بالغ المناظرة الأولى بين الرئيس الحالي جو بايدن والسابق دونالد ترمب وهما يتنافسان على مقعد الرئاسة، بدا الأول مشوشا كعادته والثاني مستفزا وكاذبا كعادته أيضا، وكان السؤال المطروح بعد المناظرة: كيف لدولة مثل أمريكا أن ينتهي بها المطاف للاختيار بين شخصين كلاهما غير كفؤ لهذا المنصب الهام والخطير.

شخصية رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تكون جديرة بهذه المكانة الرفيعة وعلى قدر مسؤوليتها، رئيس أمريكا لا بد أن يكون صاحب معايير أخلاقية واضحة ومعلن عنها، يتمتع بالحزم والحكمة والمرونة، يعمل لصالح بلاده دون أن يغفل المصالح الدولية والتحالفات الإقليمية، واثق من نفسه دون استعراض أو عنصرية، لا يفتقر إلى الثقافة أو الخبرة بالعمل السياسي والدبلوماسي، يستمع إلى المنافسين بنفس الاهتمام الذي ينصت به للحلفاء، المطلوب أن يكون شخصية رشيدة غير نرجسية.

أتخيل سيد الكرملين وهو يتابع المناظرة بين بايدن وترمب، ثم يقهقه ضاحكا ويسخر من أداء كليهما على الطريقة الروسية، ثم يوجه حديثه إلى الدائرة الضيقة التي يوليها ثقته قائلا: “مع أمثال هؤلاء لا خوف على روسيا العظمى، زمن أمريكا قد ولّى، علينا أن ننتبه ونراقب كل منصات التواصل الاجتماعي الأمريكي ومراكز استطلاع الرأي والأبحاث لنعرف توجهات الرأي العام وكيف يمكننا التدخل في الوقت المناسب دون لفت الانتباه لتوجيه المسار لاختيار الرئيس الأمريكي الأفضل لمستقبل بلادنا”.

قرار المحكمة العليا الأمريكية بمنح دونالد ترمب “حصانة جزئية” من الملاحقة القضائية بصفته رئيسًا سابقًا كان قرارا صادما للكثيرين، وهو يعد ضربة قوية للقضية المرفوعة ضد ترمب، التي تتهمه بمحاولة قلب نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020.

ولقد علق الرئيس بايدن على الحكم قائلا: “هذه الأمة تأسست على مبدأ لا وجود فيه للملوك، كل واحد منا متساوٍ أمام القانون، لا أحد فوق القانون، ولا حتى رئيس الولايات المتحدة، ولكن قرار المحكمة العليا بشأن الحصانة الرئاسية، يغير ذلك بشكل جذري”. أمريكا تتغير ومؤسساتها يصيبها العوار وتدخل في حالة استقطاب يعاني منها الأمريكيون نتيجة حكم ترمب، ومن المتوقع أن تشهد الانتخابات الأمريكية مفاجآت من العيار الثقيل، المناخ العام مثقل بالغيوم وعدم وضوح الرؤية، الرئيس القادم سيواجه تحديات أكبر بكثير مما واجهها ترمب أثناء كورونا وبايدن بسبب حرب أوكرانيا وغزة.

الرئيس الأمريكي القادم سيرث حملا ثقيلا وقدرا كبيرا من التحديات المفروضة عليه من قبل روسيا في أوروبا والصين في آسيا ومخاوف من اندلاع حرب عالمية ثالثة. أمريكا تراقب العالم وتعد عليه أنفاسه، والعالم يراقب أمريكا ويعد عليها خطواتها حتى موعد الانتخابات الرئاسية، وبوتين أول المراقبين.

المصدر : الجزبرة مباشر