ملاحظات على تشكيل الحكومة المصرية

الحكومة المصرية الجديدة بعد أداء اليمين (رويترز)

حفل التعديل الوزاري الأخير لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي بمصر بالعديد من الملاحظات، التي تشمل عودة منصب نائب رئيس الوزراء بعد غياب دام عشر سنوات، وعودة وزارة الاستثمار بعد إلغائها أواخر عام 2019، وتكرار تعيين مصرفي وزيرًا للزراعة للمرة الثانية، وتقلص حصة المرأة بالوزارة، وخروج وزراء استمروا بالوزارة مدة تراوحت بين 9 و11 عاما، وعلى الجانب الآخر قصر متوسط فترة بعض الوزراء إلى حوالي عامين.

أولا: عودة منصب نائب رئيس الوزراء: طالب الكثيرون منذ فترة بوجود نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لتعويض تولي ثلاثة رؤساء للوزارة من ذوي الخلفية الهندسية وهم إبراهيم محلب وشريف إسماعيل ومصطفى مدبولي، وهو ما كان يحدث في عهد الرئيس أنور السادات خاصة عندما يكون رئيس الوزراء ذا خلفية هندسية أو شرطية أو دبلوماسية، وكان آخر وجود لمنصب نائب رئيس الوزراء بوزارة حازم الببلاوي عام 2013 حيث عين وزير الدفاع وقتها نائبا لرئيس الوزراء.

ورغم وجود نائبين لرئيس الوزراء بالوزارة الجديدة فإن أحدهما لشؤون التنمية البشرية وذو خلفية طبية، والآخر لشؤون التنمية الصناعية وذو خلفية عسكرية هندسية، ليظل مطلب وجود نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية قائما، أو حتى وجود وزير للاقتصاد للتنسيق بين الوزارات الاقتصادية، فمن الصعب أن يقود وزير النقل والصناعة ذو الخلفية العسكرية الهندسية المجموعة الوزارية الاقتصادية.

ثانيا: تعيين وزير جديد للدفاع كان يشغل منصب محافظ السويس منذ عام 2018 وترقيته من رتبة لواء إلى فريق أول مرة واحدة، وهو ما يمثل تكرارا لما قام به الرئيس مبارك عام 1989 عندما عين محافظ القاهرة، يوسف صبري أبو طالب وزيرا للدفاع خلفا للمشير عبد الحليم أبو غزالة، وكان أبو طالب قد شغل قبل ذلك منصب محافظ شمال سيناء عامين ثم محافظ القاهرة ست سنوات، واستمر أبو طالب بمنصب وزير الدفاع حتى عام 1991.

ولم يقتصر التغيير على منصب وزير الدفاع محمد زكي الذي تولى منصبه في يونيو/حزيران 2018، بل شمل أيضا رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أسامة عسكر الذي كان قد تولى منصبه في أكتوبر/تشرين الأول 2021 مع ترضيتهما بمناصب شرفية برئاسة الجمهورية.

 مصرفي وزير للزراعة

ثالثا: الجمع بين حقيبتي النقل والصناعة: جمع الفريق كامل الوزير ذو الخلفية العسكرية الهندسية بين منصبي وزير النقل والصناعة، وهو أمر لم يحدث على مر الوزارات المصرية منذ عهد الرئيس السادات، وجرت العادة في عهد النظام الحالي على الاستعانة بأحد الصناعيين من القطاع الخاص، لتولي منصب وزير الصناعة بداية من منير فخري عبد النور عام 2013 إلى طارق قابيل وعمرو نصار وأحمد سمير، وكان الاستثناء هو تولي نيفين جامع القادمة من خلفية مصرفية للمنصب عام 2019.

رابعا: رغم عدم ثبوت نجاح تجربة الاستعانة بخريج كلية تجارة ذي خلفية مصرفية، للعمل وزيرًا للزارعة لمجرد أنه تولى مسؤولية البنك الزراعي، فقد تكرر الأمر بحذافيره بالوزارة الجديدة حيث تم اختيار رئيس البنك الزراعي الحاصل على بكالوريوس تجارة وزيرًا للزراعة، رغم وجود مئات المتخصصين في كليات الزراعة ومراكز البحوث الزراعية ووزارة الزراعة.

وهناك مشهد آخر تكرر خاص بتعيين رئيس هيئة البريد وزيرا للتموين، حيث سبق في نهاية عام 2005 تعيين رئيس هيئة البريد على المصيلحي وزيرا للتضامن الاجتماعي وهي الوزارة المسؤولة حينذاك عن التموين، وكان الهدف وقتها تقليص دعم البطاقات التموينية من خلال خبرته الإلكترونية، لكن ضحايا طوابير الخبز أوائل عام 2008 غيرت المسار، ولهذا يربط البعض اختيار الوزير الجديد للتموين بمسعى تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي حسب مطلب صندوق النقد الدولي.

خامسا: تقلص الحصة النسائية: شهدت الوزارة الجديدة وجود ثلاث وزيرات للبيئة وللتنمية المحلية والتضامن الاجتماعي مقابل ثماني وزيرات بالوزارة السابقة؛ مما يثير تساؤلات حول مدى نجاح التوسع في تمثيل المرأة بالوزارة، وأثار تعيين وزيرة للتنمية المحلية للمرة الأولى تساؤلات حول إمكانية نجاح التجربة في ضوء وجود العديد من لواءات الجيش والشرطة على مقاعد المحافظين الذين تقوم الوزيرة بتوجيه أعمالهم.

وبرر البعض ذلك بأن الحاجة إلى وجود وزيرة قبطية بالوزارة كانت هي السبب، خاصة بعد دمج وزارة الهجرة بوزارة الخارجية وهي الوزارة التي كانت تتولاها عادة شخصية قبطية مثل: جورجيت قليني ونبيلة مكرم وسها جندي.

 خروج وزراء مُعمرين

سادسا: تغيير وزراء مُعمرين بالوزارة: شهدت الوزارة الجديدة خروج عدد من الوزراء القدامى وعلى رأسهم وزير الأوقاف الموجود بالوزارة منذ عام 2013، ووزيرا الخارجية والكهرباء الموجودان منذ عام 2014، ووزير البترول الموجود منذ 2015، ووزيرا التموين والتخطيط الموجودان منذ 2017، وفي نفس الوقت غُيّر سبعة وزراء لم يمض على وجودهم بالوزارة عامان وهم: وزراء التعليم والسياحة والصناعة والثقافة والتنمية المحلية والهجرة والعمل.

وأثار تغيير وزيرة التخطيط بعض الدهشة، رغم إخفاق ملف التخطيط مع تكرار المشكلات الاقتصادية للمواطنين سواء موجات التضخم أو سعر الصرف أو انقطاع الكهرباء وتكرار مشكلات نقص الطاقة، نظرا للنفوذ الذي كانت تتمتع به بقصر الرئاسة حتى إنها تمكنت من إبعاد عدد من الوزراء، ولهذا تم تعويضها بمنصب مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية، وما زال البعض يتوقع لها منصبا آخر مستقبلا.

سابعا: عودة وزارة الاستثمار: بلغ عدد الوزراء 30 وزيرا بعد دمج وزارة الهجرة مع الخارجية، ودمج التخطيط مع التعاون الدولي، في حين عادت وزارة الاستثمار بعد إلغائها قبل سنوات وأُلحق بها ملف التجارة الخارجية، ويشير ذلك إلى ظاهرة عدم استقرار الشكل الوزاري خلال العقود الماضية، فوزارة الاستثمار التي ظهرت بوزارة نظيف الأولى عام 2004 تم استبعادها في وزارتي أحمد شفيق وعصام شرف، لتعود في وزارة هشام قنديل وتلاها إلحاق ملف الاستثمار بالتجارة والصناعة بوزارة محلب الأولى، واستمرت بوزارتي محلب الثانية وشريف إسماعيل ثم أُدمجت بوزارة التعاون الدولي عام 2017 قبل إلغائها عام 2019 .

وهو ما يثير قضية عدم ثبات الهيكل الوزاري عبر العقود الماضية، التي شهدت ظهور العديد من الوزارات ثم اختفاءها مثل وزارات: استصلاح الأراضي والتنمية الإدارية وشؤون الأزهر والتعمير والمجتمعات العمرانية، وشؤون مجلس الشورى والسكان والأسرة وشؤون رئاسة مجلس الوزراء وشؤون السودان وشؤون رئاسة الجمهورية والتعليم الفني وغيرها.

ثامنا: موارد غير كافية بالموازنة الجديدة: جاء التغيير الوزاري متزامنا مع بدء تنفيذ موازنة العام المالي الجديد أول الشهر الحالي، وهي الموازنة التي بلغ نصيب تكلفة أقساط وفوائد الدين الحكومي فيها 62% من الإنفاق الحكومي؛ مما يصعب مهمة الوزارة الجديدة في إمكانية زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والمرافق وغيرها من وسائل تحسين المعيشة أو دفع مستخلصات المقاولين والموردين أو انتظام استيراد الكميات المطلوبة من الوقود لتشغيل محطات الكهرباء، في ضوء توقف شركات البترول الأجنبية العاملة بمصر عن تطوير أعمالها حتى تحصل على مستحقاتها المتأخرة لدى الحكومة، وهو ما دعا المتحدث باسم رئاسة الوزراء إلى أن يصرح بأن انقطاعات الكهرباء ستعود مرة أخرى بعد انتهاء أشهر الصيف.

المصدر : الجزبرة مباشر