أسـرانا وأسـراهم

الأسير الفلسطيني المحرر بدر دحلان وآثار التعذيب بادية على وجهه (الجزيرة مباشر)

تزامنًا مع الإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين من معسكرات الاعتقال لدى كيان الاحتلال الإسرائيلي، بدأت بعض وسائل الإعلام العربية والأجنبية، التنبه أخيرًا، للفارق الحضاري الكبير في معاملة الأسرى، بين كل المقاومة الفلسطينية وسلطة الاحتلال، بعد أن ظهر أسرى الاحتلال المفرج عنهم منتشين مبتهجين، تحمل إحداهن (جروها)، وتهتم الأخرى أيما اهتمام بمظهرها و(مكياجها)، وتحدث آخرون عن حسن المعاملة، وكرم الضيافة، على الرغم من الظروف الحياتية والمعيشية الصعبة التي يعيشها أبناء قطاع غزة بشكل عام، وهي الأحاديث التي أغضبت ساسة الاحتلال، الذين طالبوا بفرض ضوابط على الحوارات، كما طلبوا من المفرج عنهم عدم التحدث في هذا الشأن.

على الجانب الآخر، يمكن القول إن كيان الاحتلال ارتكب، بحق الأسرى الفلسطينيين، كل الموبقات التي حرمتها الشرائع السماوية، وجرمتها القوانين الدولية، غير عابئين باستنكار دولي، أو غضب شعبي، ولا محاكم أو عقوبات أو أي شيء من هذا القبيل، بل إن عقلية الاحتلال تجاوزت المعاملة السيئة للمعتقلين من تعذيب وترويع وتجويع، إلى استخدامهم دروعًا بشرية في المواجهات المسلحة أحيانًا، وقتلهم بدم بارد في أحيان أخرى، بما يشير إلى أننا أمام أقذر كيان احتلال على وجه الأرض، في التاريخ الحديث على أقل تقدير.

الاستطلاعات تؤكد أن نسبة كبيرة من متابعي نشرات الأخبار، لم تعد تقوى على مشاهدة جرائم ذلك الكيان الصهيوني، من قتل وقصف وهدم وتدمير، بلغ مداه بقصف المدنيين الآمنين في بيوتهم، وإطلاق الكلاب المدربة المفترسة على المسنين في أسرّتهم، وقتل المرضى والمصابين في المستشفيات، وتدمير البني التحتية من كهرباء وماء وصرف وطرق، وكل مقومات الحياة دون استثناء، إضافة إلى استهداف سيارات الإسعاف ورجال الإنقاذ ومؤسسات الإغاثة الدولية، والمؤسسات التعليمية والخدمية، إلى آخر سلسلة طويلة من الممارسات العدوانية اللاإنسانية.

بيد أن الجديد في الأمر، هو تلك الصورة التي يظهر بها الأسرى الفلسطينيون المفرج عنهم من سجون الاحتلال، كهياكل عظمية نتيجة سوء التغذية، ليس فقط، بل بتقرحات جلدية نتيجة عدم النظافة، وأمراض معدية صدرية وتنفسية، وأخرى سرطانية، في الوقت الذي يفاخر فيه ويجاهر وزراء الكيان بهذه الممارسات، ويؤكدون استمرارها، بينما يخرج رئيس حكومتهم بين الحين والآخر يتحدث، كذبًا وبهتانًا، عن الكيان الأكثر ديمقراطية وامتثالًا للقوانين الدولية والأخلاقيات والإنسانية، وما شابه ذلك، في عملية انفصام وارتباك وخلل نفسي واضح في الشخصية الصهيونية من أدنى السلم الوظيفي حتى أقصاه.

 

الـنفاق الـدولي

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مع بدء عملية “طوفان الأقصى”، كانت الأرقام تتحدث عن وجود نحو ستة آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، أُضيف إليهم خلال الشهور التسعة الماضية ما يقرب من عشرة آلاف آخرين، من الضفة الغربية وحدها، بخلاف ما تم اعتقالهم من قطاع غزة، دون الإفصاح عن رقم محدد، نتيجة عمليات الاعتقال العشوائية اليومية، وإيداعهم في معسكرات اعتقال بقواعد عسكرية، دون ملابس أو أغطية، وحرمانهم من النوم، ووفاة الكثير منهم نتيجة التعذيب والتجويع وانتشار الأمراض دون علاج، في الوقت الذي تحدثت فيه مصادر إسرائيلية عن وجود ما يزيد على 21 ألف أسير فلسطيني، إجمالًا، بسجون الاحتلال.

وعلى الرغم من وجود تقارير رسمية، من خلال منظمات دولية معترف بها، ترصد كل هذه الحقائق، إلا أن بوصلة الاهتمام العالمية تشير طوال الوقت إلى نحو 80 أسيرًا صهيونيًا لدى المقاومة الفلسطينية، دون أي حديث أو اهتمام بعشرات الآلاف من الأسرى لدى سلطة الاحتلال، وهو ما يؤكد عملية النفاق الدولي، ويضع المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن أمام مسؤولياتها، التي لا يعيرها كيان الاحتلال أي اهتمام، عطفًا على سوابق تاريخية مماثلة.

وربما كانت المنظمة العربية الأولى، المعروفة بجامعة الدول العربية، هي الأَولى بهذا الاهتمام، كحلقة وصل -على الأقل- مع العالم الخارجي، بشأن هذه القضية، إلا أنه بدا واضحًا أن دور الجامعة تجاه القضية الفلسطينية قد تراجع هو الآخر، لحساب دول التطبيع، إلى الحد الذي فوجئنا فيه أخيرًا، بقرار غريب حول تراجع الجامعة عن الإشارة إلى “حزب الله” اللبناني ككيان إرهابي، وهو ما يعني أن هناك من القرارات المخجلة داخل الجامعة الكثير مما تم إقراره في الظلام، خلال السنوات الماضية، مع الوضع في الاعتبار أن قرار التراجع، أو الرفع من القائمة، جاء فقط، بهدف فتح خطوط رسمية للتواصل مع الحزب لعدم التصعيد مع إسرائيل.

على أية حال، أعتقد أنه بات واضحًا، الفارق الحضاري الكبير، بين ممارسات المقاومة الفلسطينية ومثيلاتها الإسرائيلية، فيما يتعلق باحترام القوانين الدولية، وتحديدًا فيما يتعلق بحقوق الأسرى، وربما كان السلوك الفلسطيني هنا نابعًا من تعاليم دينية إسلامية، حضت على حسن معاملة الأسير، منذ ما قبل صدور القوانين الدولية بأكثر من 1000 عام، وهو ما يكشف سر عدم تغيير سلوك المقاومين تجاه الأسرى، على الرغم من استمرار ذلك النهج الصهيوني الدموي، الذي يجد تعتيمًا دوليًا متعمدًا لأسباب عديدة.

تاريخ زاخر بالمآسي

ويبدو أن الحقيبة الصهيونية، في التعامل مع الأسرى، زاخرة بكل ما هو غير آدمي، ذلك أن تاريخ ذلك الكيان في هذا المجال يحمل الكثير من المآسي، وكانت حرب 1967 شاهدة على الكثير من الممارسات، التي بلغت حد دفن الأسرى المصريين أحياء في رمال سيناء، حسبما ذكر المؤرخون، وهناك الكثير من روايات شهود العيان، والكثير من الصور التي توثق ذلك، إلا أن قادة الاحتلال قد فروا من العدالة بجرائمهم أيضًا، كما جرت العادة منذ نشأة الكيان، وهو ما يوجب على دول المواجهة مع كيان الاحتلال بشكل خاص، أن تحمل على عاتقها اليوم هذه القضية، أمام المحاكم الدولية، لتطالب بفتح الملفات كاملة، بماضيها وحاضرها.

وفي كل الأحوال، سواء انتفضت جامعة الدول العربية أم لا، وسواء شعرت دول المواجهة بالغضب أم لا، وسواء استيقظ الضمير العالمي أم لا، فإن المؤشرات كلها تؤكد أن استمرار وجود ذلك النبت الشيطاني الصهيوني بالمنطقة، هو في حد ذاته استمرار لكل الممارسات السادية العدوانية التوسعية، وسوف تظل كل القرارات والمواثيق الدولية حبرًا على ورق، في ظل استمرار الدعم الأمريكي الغربي اللامحدود لذلك الكيان، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وما قضية الأسرى إلا قطرة في بحر المآسي التي تنتظر المنطقة مستقبلًا، إذا لم يتم تدارك الموقف، بنصرة الشعب الفلسطيني، الذي حمل على عاتقه الدفاع عن شرف العرب، كل العرب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

 

المصدر : الجزبرة مباشر