لا «الحشاشين» إخوان.. ولا «الصباح» البنا

لقطة من مسلسل الحشاشين (مواقع التواصل)

أثار العمل الدرامي «الحشاشين» ضجة كبير عند عرضه في موسم الدراما الرمضانية الماضي، فقد ربط الكثير من المشاهدين بين جماعة «الحشاشين» وجماعة الإخوان المسلمين، وكان هناك إيحاء لدى المشاهد أن الهدف من تقديم العمل سياسيًا، وليس فنيًا، لكون الشركة المتحدة منتجة للعمل، وبيتر ميمي مخرجًا للعمل، وهو أكثر المخرجين عملًا معها ومخرج مسلسل الاختيار في مواسمه الثلاثة التي قدمتها الشركة، وعد البعض «الحشاشين» موسمًا رابعًا للاختيار.

الربط بين الصباح والبنا

ربط المشاهدون بين الحسنين الصباح والبنا، وأعيد النقاش الذي أعاد أيضًا جماعة الإخوان المسلمين إلى الساحة فنيًا، وسياسيًا، وربما كان الهدف حملة تشويه للجماعة بهذا التشبيه غير الحقيقي والمناسب، إلا أنه جعل المقارنة خالصة لصالح جماعة الإخوان.
يذكرني هذا بالجزء الأول من مسلسل الجماعة الذي قدمه التلفزيون المصري في 2010 تأليف وحيد حامد هذا العمل الذي أضاف الكثير إلى الإخوان، وجعلها البديل الأقوى لنظام مبارك الذي انتهى في فبراير/شباط في العام التالي.
ولا يمكن المقارنة بين الدراما التي قدمها وحيد حامد وهو أحد كبار مؤلفي الدراما، وبين ما قدمه عبد الرحيم كمال من حيث النص الدرامي، وحيد حامد كان مؤمنًا تمامًا بما كتبه، ولم يحاول أن يكتب دراما دعائية ضد أو مع فجاء نصه متكاملًا ناضجًا ليس فيه انحياز.
هذا الإيمان افتقده عبد الرحيم كمال في عمله «الحشاشين»، فلم يستطع تقديم عمل عن جماعة «الحشاشين» ومفكرها حسن الصباح، أو يجعلني أشعر أن ثمة تشابهًا بينها وبين الإخوان ومفكرها الأول.

ومنشأها حسن البنا

إذا كان كمال قد وصل إلى درجة التميز في ثاني أعماله شيخ العرب همام، وتصاعدت مع الخواجة عبد القادر ودهشة، ونوس، وتألقت في نجيب زاهي، ووصلت قمتها في أهو ده اللي صار، وجزيرة غمام من مجموع أعمال 14 عملًا تلفزيونيًا، وإذا كانت دراما كمال تسبح في أجواء درامية متميزة بما فيها من نص تلفزيوني محكم وحوار يصل لدرجة كبيرة من الإبداع فإن عمله الدرامي «الحشاشين» هو أقل أعماله التليفزيونية إبداعًا.

«الحشاشين» وسطحية التناول

حسمت أمري في مشاهدة «الحشاشين» بعد انتهاء موجة الترحيب المبالغ فيه، أو موجة الهجوم عليه، وقلت لتكن المشاهدة دون التأثر بأي فريق، ورغم أنني أشرت إلى الهدف من تقديم عمل عن جماعة حسن الصباح وفرقة الموت.
إن تقديم مثل هذا العمل هو محاولة لإثارة فكرة جماعة الإخوان المسلمين وتقديمها أنها خطر على مصر، وقلت إن هذا هدف العمل، وانتقدت أن تقدم مصر بتاريخها وإبداعها مثل هذا العمل في وقت يتم تقديم أعمال مثل فاتح القدس، والفاتح محمد في تركيا، وأشرت أن الأهداف مختلفة لدى صاحب قرار الإنتاج في البلدين.
الملاحظة الأولى في العمل هي سطحية الهدف وسطحية تناوله، فقد جاءت الأحداث، وكأن المؤلف فقد آلياته المتمكن فيها، نص تلفزيوني سطحي جدًا لا عمق في أغلب الشخصيات.
شخصية حسن الصباح صاحب قلعة الموت، الرجل الذي جعل الشباب يموتون فداء لفكرته، ويؤمنون أنه صاحب مفتاح الجنة، لم يستطع كمال إقناعي بفكره، حتى وإن كان هدفه السلطة فلا بد لشباب جماعته بالإيمان ليس بأطماعه، ولكن بأفكاره، ما قدمه المؤلف هو الأطماع لا الأفكار. صراع غنائم لا أفكار.
الصراع الثلاثي بين نظام الدين الوزير السلجوقي، وحسن الصباح وبينهم الشاعر العالم المتصوف عمر الخيام جاء صراعًا ظاهريًا، ظهر أيضًا نظام الدين كوزير دولة تشعر أنه بلا أعماق سوى خلافه مع الصباح الذي لا ندري بذوره، وهم الأصدقاء أقصد هنا فكريًا.
الوزير حامي الدولة يجلب صديقه الصباح إلى قصر الحكم وفاءً لعهد قديم، ورغم ذلك متوجس خيفة من أطماعه، وليس أفكاره، ربما أفلتت بعض الشخصيات من السطحية قليلًا منها يحيى بن المؤذن، عمر الخيام في بعض مشاهده، ولا سيما الفلسفية والصوفية، الإمام أبو حامد الغزالي رغم قلة مشاهده فتعرضت الشخصية، وهي عميقة للتسطيح أيضًا.
فقد كمال أغلب تميزه من نص محكم، بناء درامي للأحداث، بناء الشخصيات، وأن ما قدمه عبد الرحيم كمال عن حسن الصباح لا يجعل منه فكرة تعيش قرونًا عدة من الزمان.

لا يمكن مقارنة الشخصية وفكرها بفكر حسن البنا، ورغم اختلافي الجذري مع الإخوان المسلمين إلا أن البنا استطاع أن يقدم فكره لها بريقها وأيضًا لها امتدادها، ولكن الصباح الذي كتبه المؤلف المبدع لم يكن الذي يجعل له أتباعًا يضحون بأرواحهم فداء لفكرته أو لمجرد أنه خدرهم بالحشيش، وقدم لهم الفتيات على أنهم الحور العين.

إيقاع بطيء

قدّم العمل الدرامي «الحشاشين» في 30 حلقة مدة الحلقة نصف ساعة أو أطول قليلًا في بعضها، والملاحظة الثانية هو هذا الإحساس برتابة الإيقاع في نصف عدد الحلقات فقد شعرت، وأنا أتابع العمل أن الحلقة طويلة جدًا.
ربما يرجع هذا إلى التحضير لبداية الأحداث القوية أو ما نقوله صراع الأفكار بين ثلاثي أبطال القصة حسن الصباح ونظام الدين وعمر الخيام، الأصدقاء الذين تعاهدوا على الإخلاص والمساعدة حين يصعدون إلى مراتب كبيرة في الدولة السلجوقية أو الخلافة العباسية.
لمدة طويلة في الحلقات لم أستطع أن أكتشف أفكارهم الثلاثة، أي لم يكن هناك صراع حتى وصل نظام الدين للوزارة في قصر السلطان السلجوقي، أو حسن الصباح للقصر نفسه مشرفًا على مكتبة القصر، وعمر الخيام الذي أصبح شاعرًا كبيرًا وعالمًا يبحث عن راحته النفسية والقلبية.

هذا الإيقاع بدأ يتغير في نصف الحلقات الأخير إذ ساعدت المعارك والصراع مع قلعة الموت وأعضاء جماعة «الحشاشين» في سرعته، خاصة مع حركة الجيوش والمجاميع والمعارك المحكمة، أيضًا حكاية يحيى بن المؤذن ومقتل أبيه وأمه واختطاف حبيبته والسعي لإيجادها ووصولها إلى القلعة، وحكايات بنات القلعة (حور الجنة) أضاف إيقاعًا للعمل.

مواهب فنية متميزة

كان العمل فرصة كبيرة لإظهار مهارات المخرج، وهو مخرج موهوب ومتميز استغل إمكانياته وفريق عمله في خلق صورة باهرة، أيضًا مثل هذه الأعمال تكون فرصة كبيرة لممثلي الأدوار المساعدة خاصة ثلاثي الجيش السلجوقي يحيى ورفيقيه، وبنات قلعة الموت، زوجة حسن البنا، وأبناءه، وفي هذه المساحات ظهرت مواهب عبد الرحيم كمال من بناء القصص الهامشية وشخصياتها، فالمساحة هنا إبداعية، وليست سياسية.
أثبت العمل أن مصر تمتلئ بذخيرة كبيرة من المبدعين خاصة الممثلين وشبابهم، أيضًا فريق كبير في التصوير، الديكور، الملابس، الموسيقى، كسبنا جيلًا جديدًا من المبدعين الشباب متوقع لهم تقديم أعمال متميزة في مناح أكثر ملائمة للإبداع.
رغم الجهد المبذول وإعجابك بالصورة المقدمة فنيًا، لكن غياب المؤلف نفسه عن نصه لا يجعل رسالة العمل تصل خاصة مع وجود عمل درامي سوري سابق يتناول الشخصية التي جعلت الآلاف من الشباب يؤمنون بفكرة ثلاثة قرون، المعنى هنا في فكرة التكليف بعمل ما وسرعة تقديمه وغياب الإيمان الحقيقي عن الفكرة، وهذا المفتقد في «الحشاشين»، ولذا فلن يبقى كثيرًا مثلما بقت أعمال للمؤلف من قبل.

المصدر : الجزيرة مباشر