القوى الناعمة المصرية.. هل من عودة؟

أم كلثوم

على مدار التاريخ الحديث كانت القوى الناعمة المصرية تغزو البيوت العربية، وتصنع للدولة التي تفوقت في صناعتها جزءًا مهمًا من نفوذها وتأثيرها في الإقليم، فالغناء والسينما والمسرح والموسيقى والإعلام والأدب وغيرها من منتجات ثقافية مهمة بات تأثيرها منذ نحو عشر سنوات لا يتناسب مع قيمة وتراث طويل احتفظت وتميزت به مصر على مدار عقود.

المؤكد أن الإنتاج الثقافي في مصر تراجع بدرجة كبيرة، وأضحت المقارنة بين السنوات العشر الأخيرة، وما كانت تنتجه مصر من فن على مدار المائة عام الفائتة كاشفة لمساحة التراجع المذهلة، التي لم تمر بها بلد كبير كمصر أبدًا، فالقوة الناعمة باتت معطلة، وتعاملت معها السلطة بكونها مجرد ترف لا قوة جذب وتأثير.

سبب تراجع القوى الناعمة المصرية:

المؤكد هو أن الإبداع بشكل عام لا يمكن أن يعيش ويزدهر إلا في أجواء من الحرية، تسمح للمبدع والكاتب والفنان أن يفكر ويسبح بخيال إبداعه إلى الآفاق، والأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أنه خلال السنوات الماضية تعرضت القوى الناعمة المصرية لحصار كبير، فرضت عليها القيود من كل اتجاه، وانخفض سقف حرية التعبير إلى درجاته الأدنى.

في اللحظة نفسها التي اختارت السلطة فرض القيود على الإبداع كانت هذه القوى تنزوي وتذبل وتتراجع إلى أدنى مساحة من الحضور والتأثير، إذ فقدت أهم عناصر نجاحها على الإطلاق، أي حرية أن تعبّر عن المجتمع وهمومه، وعن الناس وأزماتها لا عن السلطة وإنجازاتها.

حوصرت القوى الناعمة المصرية فكان الطبيعي أن تتراجع وتخبو، ويحل محل المسلسلات والأفلام مشاجرات الأزواج من الفنانين، وأن يتحرك الفنان من موقعه كمبدع إلى حيث تقديم البرامج أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية.

خلال السنوات الفائتة كان ملفتًا أن يتفوق الفن في عدد من الدول العربية والإسلامية على كل ما تقدمه مصر من أعمال، وأن يكون الحضور العربي والإسلامي أكثر تأثيرًا من الفن المصري بحضوره التاريخي المذهل، وهو أمر ليس له إلا تفسير واحد: غاب الفن عن مصر، وفرضت عليه القيود، فبحث كل فنان ومبدع عن مساحات أخرى مفتوحة تقدر الإبداع وتقدمه مرة أخرى للناس في البلاد العربية.

الفن المصري والتأثير:

في حسابات السياسة كان الفن المصري جزءًا لا يتجزأ من أسلحة التأثير المصري، فقد امتلك البلد قوة حقيقية تحمل الثقافة واللهجة المصرية إلى كل بيت عربي، وتتسرب رسائلها السياسية والاجتماعية والثقافية إلى كل مشاهد، وتجعل من اللهجة المصرية معيارًا للثقافة، فمن أم كلثوم إلى عبد الوهاب ومن فاتن حمامة لعمر الشريف ومن عادل أمام لأحمد زكي ومحمد منير وعمرو دياب وغيرهم كان الفن المصري سلاحًا يحافظ على قوة مصر في الإقليم، ويجعل كل مبدع عربي في احتياج إلى ختم الجودة المصري قبل أن يعرفه الجمهور ويتفاعل مع ما يقدمه من فن وثقافة، وكانت القاهرة قبلة المبدعين والموهوبين، تفتح أبواب الشهرة والإبداع لكل عربي، وتحمل فنه من نطاق محلي ضيق إلى آفاق الملايين من البشر.

بقيود غير طبيعية ولا مفهومة اختار البعض هزيمة الفن والتأثير المصري بالضربة القاضية، والاستغناء غير المبرر عن كل هذا الزخم الكبير والحضور الرحب، وعن التأثير المعنوي المذهل الذي مارسه المبدعون والمثقفون المصريون على مدار عشرات السنين بنجاح فائق وبحضور طاغ.

هل يمكن أن تعود القوى الناعمة إلى قوتها؟

بالتأكيد فإن عودة الفن والإبداع إلى مسارهم من جديد أمر ممكن، فتراث مصر الطويل يجعل الفن “مستوطنًا” في هذا البلد الغني بمبدعيه، الذي لم ينقطع الإبداع فيه على مدار تاريخه.

أمران مهمان لا بد أن يسبقا أي رغبة في عودة الإبداع المصري من جديد:

الأول: منح الحرية للقطاع الخاص لكي ينتج بعيدًا عن الاستحواذ على الإنتاج من قبل مؤسسات في الدولة -الشركة المتحدة مثالًا- فالقوى الناعمة المصرية أكبر من أن يسيطر عليها أحد أو يستحوذ عليها فرد أو مؤسسة، بل إن تأثير هذه القوى يرتبط أصلًا بالتنوع والتعددية والمنافسة بين الشركات والمنتجين لتقديم فن جيد وجدير بالمتابعة والاهتمام، ففي مساحة التنوع بين شركات الإنتاج ما يثري الأعمال الفنية، ويشجع التنافسية وجودة الأعمال التي تميز بها الفن المصري دائمًا ومنذ سنوات طويلة مضت.

الآخر: وهو العامل الفارق في أي رغبة في عودة الفن المصري إلى سابق عهده وهو الحرية، ورفع الحصار بشكل كامل عن الفن بكل صوره، واتساع مساحة حرية الإبداع والتعبير بدرجة تسمح بالاشتباك الحقيقي مع قضايا المجتمع، والتأثير في المشاهد بحسب رؤية المبدع لا كما تفرضها تصورات رسمية، والخلاص من القيود كلها التي ألقت بتأثير الإبداع إلى اليم!

مطلبان فقط قادران على استعادة زخم القوى الناعمة المصرية وتأثيرها، والاثنان في يد السلطة المصرية فقط، فهي التي تملك فرض القواعد التي تنظم العمل الفني والثقافي، بما يعود بالفائدة على البلد، ويعيده إلى دوره وتأثيره، ويعيد إليه جزءًا من نفوذه الذي فقده وسط تغول القيود واتساع الحصار بشكل قاس وغير مبرر، فقد جربت السلطة طوال السنوات الماضية فرض القيود على الإبداع فلم تجن غير تراجع لم يحدث مع أي سلطة سبقتها، وهو أمر ينتقص من أي سلطة بقدر ما ينتقص من البلد ذاته، وبقدر ما يخصم من دوره وتأثيره.

المصدر : الجزبرة مباشر