في “ميانمار” الجيش يترنح.. والانقلاب إلى زوال!!

ميانمار في ذكرى تأسيس جيشها (رويترز)

تبتعد الصين كثيرا عن النظام العسكري الحاكم في دولة ميانمار، بعد سنوات من الدعم السخي للانقلاب الذي قاده جنرالات الجيش على نظام مدني، قادته صاحبة “نوبل” رئيسة الوزراء أونغ سان سو تشي. وقع النظام العسكري في مأزق، إذ فقد أهم دولتين داعمتين له، هما الصين وروسيا، في مواجهة الضغوط الشعبية والعقوبات التي وضعتها الدول الغربية واليابان على قادته، بما أفقده القدرة على توفير الأمن لمواطنيه، وأبسط احتياجاتهم من أغذية ومحروقات وكهرباء.

يبشرنا مرور 3 سنوات ونيف من انقلاب جنرالات ميانمار برؤية واضحة بشأن مستقبل الانقلابات العسكرية، في دولة اعتادت العيش تحت قبضة السلطة العسكرية، منذ الاستقلال عن الاحتلال الياباني عام 1945، ثم البريطاني عام 1962. حكم جيش ميانمار الدولة الفقيرة المتعددة الأعراق والأديان 60 عاما، انقطعت 10 سنوات فقط، بحكم شبه ديمقراطي.

اعتمد زعيم الطغمة العسكرية الجنرال “مين أونغ هيلنغ” على شهوة رجاله الجامحة لاستعادة سلطة فشل في الهيمنة على أدواتها عبر مرشحين تابعين للجيش، بعد نجاح ساحق لأونغ سان سو تشي في الانتخابات العامة في فبراير/شباط 2021.

اعتمد الجنرالات على مغازلة الأقاليم الغاضبة من تردي الأوضاع الاقتصادية، والقادة الدينيين الراغبين في طرد مسلمي الروهينغيا من البلاد، في كسب شعبية محدودة، مكنته من العودة السريعة إلى الحكم.

لم يأبه الجنرال للغضب الشعبي الواسع، وحملات الإدانة الدولية، لحرقه بيوت وآلاف المسلمين، وتشريده مليوني إنسان، وسجن زعيمة تتمتع بدعم رجال الدين وأغلبية شعبية كاسحة، معتمدا على الدعم العسكري من روسيا والمالي والسياسي من الصين، والنخبة العسكرية التي تؤمن بأنها وريثة الحكم.

الخروج من المأزق

حكم المجلس العسكري البلاد بوحشية، ولجأ إلى إعدام المعارضين، وسجن أكثر من 153 ألف ناشط سياسي، فزاد الاقتصاد سوءا، والأخطر أنه دفع بالقوميات العرقية إلى حرب أهلية، تزداد فتنتها اشتعالا بمرور الأيام.

تحولت حرب العصابات بين المواطنين إلى مصدر خطر على الصين التي عانت من اختراق تلك العصابات لحدودها وسيطرتها على معابر رسمية، تربطها بدولة ميانمار، تستخدمها في تسهيل الاتجار بالسلاح والمخدرات وخطف الإناث والسطو على شبكات الإنترنت الصينية وتهريب الأموال.

أظهر الجيش سوء قدرته على إدارة البلاد، وتأجيجه حربا أهلية، ودعمه عصابات تلعب لحساب من يدفع لها الأجر، وزاد الفشل مع عدم قدرته على إعادة المسار السياسي عبر انتخابات جديدة، خلال العامين الأخيرين، لعدم ثقة الناس به.

انتقلت ميانمار من دولة فاشلة إلى دولة منهارة اقتصاديا واجتماعيا. وتوقفت روسيا عن تزويد ميانمار بالأسلحة لانشغالها بالحرب في أوكرانيا.

أيقنت الصين أن بقاء حكم العسكر خطر على حدودها ومصالحها، وميزانيتها المتراجعة، فطلبت تخفيض مدة السجن من 30 عاما إلى بضع سنوات، ثم فك القيود عنها وأنصارها لتهدئة الأوضاع في البلاد، بما وضع العسكر أمام أمرين؛ إما مواصلة حرب أهلية وحشية، أو البحث عن مسار يخرجهم من كارثة الانقلاب.

لعبة الأمم

أسهمت الصين في تمويل مشروع القطار الكهربائي الذي يربط بين جنوب غربي الصين ودولة ميانمار، آملة أن يمنحها فرصة لربط مناطقها الوعرة والنائية جنوب غربي الصين بخليج البنغال مباشرة، والابتعاد عن ممر سوقطرة المائي الضيق المتحكم في نصف حركة التجارة الدولية بين شرق آسيا والغرب، والذي تضعه القوات البحرية الأمريكية تحت رقابتها الدائمة. منحت الصين ميانمار غواصة وفرقاطات بحرية، مقابل تسهيلات عسكرية وتجارية بموانئ البلاد، بحرّية وصول قواتها البحرية إلى منطقة شرق المحيط الهندي بسهولة، مع قروض عديدة لبناء مشروع عاصمة جديدة للبلاد، تحولت إلى مأوى للأشباح، إثر تصاعد حرب العصابات بين القوات العسكرية والمليشيات المعارضة للنظام.

مكنت المساعدات الاقتصادية جنرالات الجيش من الثراء الفاحش، وأصبحت شركات الجيش هي المتحكم الوحيد في تصريف أمور الدولة وإقامة المشروعات العامة، بما عمَّق الهوة الاجتماعية بين الأقاليم التي ينتمي إليها كبار الضباط وباقي المقاطعات. أثارت الفوارق المادية بين القبائل الضغينة بين المواطنين، فدفعت الملايين منهم إلى الخروج على حكم العسكر. ينظم عشرات الآلاف مظاهرات يوميا من الغاضبين إلى الأغلبية الرافضة للانقلاب على النظام الديمقراطي الذي تمتعوا خلاله بحريات نسبية لعقد كامل، ومنهم من يتماهي مع عصابات الحرب الأهلية شبه العسكرية، التي تثير فوضى أمنية واجتماعية بحثا عن مصالحها الذاتية.

وفّر انقلاب ميانمار بيئة خصبة للخروج عليه، إما بانقلاب موازٍ له أو ثورة شعبية واسعة، خاصة بعد أن بدأ أنصار في التخلي عن دعمه، بينما يحاصره الغرب الذي ينتظر أن يسقط حكم العسكر من تلقاء نفسه، فإذا لم يصب سقوطه في صالحهم، فإن حالة الفوضى التي ستشهدها المنطقة تهدد العملاق الصيني، المتاخم لحدوده.

مستقبل الانقلابات

تحدث الانقلابات عندما تتوافر التربة الخصبة، من حالة غضب عامة واحتقان اجتماعي لا يندمل، وانقسام سياسي، لا يمكن حسمه لصالح قوى سياسية، عبر أدوات ديمقراطية سليمة، مع وجود جنرالات طامحين للقفز على السلطة.

نادرا ما ينقلب العسكر أملا في إصلاح النظام السياسي، وقلما يتنازلون عن الحكم طواعية. لم نشهد عسكريا تنازل عن السلطة إلا قليلا.

عربيا، لم نجد غير الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، الذي سلَّم السلطة في السودان بعد إجراء انتخابات عامة، عقب إزاحته الرئيس جعفر نميري من سدة الحكم في السادس من إبريل/نيسان 1985. وصل نميري إلى الرئاسة عبر انقلاب عسكري عام 1969، مستغلا صراعا عميقا بين جبهتي حزب الأمة والاتحاد، محركَي المشهد السياسي في السودان.

يرصد التاريخ انقلابات لم تنته إلا بانقلاب آخر، بما يبقي الدول رهينة صراعات عسكرية، ومعادلة صفرية، تُفقد الشعوب قدرتها على تغيير المشهد، وتظل إرادتها مختطفة بين هدير الدبابات والمدافع، بينما يلجأ الحكام إلى قوى أجنبية لدعم أنظمتهم، بما يضمن لهم البقاء إلى حين.

وسط توقعات بزوال الديمقراطية على أيدي الفاشيين والصهاينة الجدد الذي يؤمنون بصدام الثقافات والحضارات، وسيادة جنس بشري على باقي الأمم، فإن عصر الانقلابات يمر بفترة تحولات تجعله أكثر قربا لنهايته.

رغم قدرة التيارات الفاشية على بث رسائلها عبر أجهزة الإعلام، وسيطرتها على قوات الجيش والشرطة ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن الشعوب أصبحت أكثر نضجا وقدرة على فهم حقائق الأمور.

تُخرج الانقلابات الشعوب من معادلة السلطة، تحت ضغوط الفساد والخراب الاقتصادي، ليتحول الوطن إلى بيدق على قطعة شطرنج في “لعبة الأمم”.

تهدد الانقلابات العسكرية مستقبل الدول، وتظل خطرا مماثلا للانقلاب الطائفي والفئوي على الديمقراطية عندما تتحول إلى آلة بأيدي تيارات قومية وعنصرية وفاشية، لفرض قبضتها ووصايتها على الناس. الأمر المبشر أن الأمم تتجه إلى مزيد من النضج السياسي بينما الانقلابات -وإن كثرت- في طريقها إلى زوال.

المصدر : الجزبرة مباشر