هل تكون غزة “فيتنام بايدن”؟

الرئيس الأمريكي جو بايدن والسيدة الأولى جيل بايدن يغادران الطائرة عائدَين إلى البيت الأبيض في7 يوليو/تموز (الفرنسية)

 

في عام 1968، صدم ليندون جونسون، الرئيس الأمريكي آنذاك والمرشح الأوفر حظا لترشيح الحزب الديمقراطي، البلاد بإعلانه أنه لن يسعى أو يقبل ترشيح حزبه، نتيجة للغضب الشعبي العارم من موقفه إزاء حرب فيتنام.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد باتت الدعوات تتصاعد من كل صوب، بعد أداء بايدن الكارثي في المناظرة، التي جمعته مع ترمب قبل أيام، تطالبه بالانسحاب قبل فوات الأوان من السباق الرئاسي، والبحث عن مرشح يستطيع منع استيلاء اليمين المتطرف على الحكم.

بايدن تتراجع شعبيته، ليس فقط بسبب اعتلال صحته، ولكن لأسباب متنوعة، من أهمها عدم اتخاذه موقفا حاسما لوقف حرب الإبادة الصهيونية، ليتساءل المراقبون: هل تصبح غزة “فيتنام بايدن”؟

ويلفت خبراء الانتباه الى أن حرب فيتنام تزامنت أيضا مع صعود النضالات الاجتماعية والسياسية، إذ كانت هناك حركات احتجاجية قوية تدافع عن الحقوق المدنية وحقوق المرأة وحماية البيئة، ونرى اليوم تداخلا بين حركات مناهضة للحرب في غزة مع حركات تدافع عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

وأوجه التشابه لا تقف عند هذا الحد، فقد أدى الطلاب دورا محوريا في كلتا الحركتين الاحتجاجيتين، ففي الستينيات قاد الطلاب المعارضة لحرب فيتنام، كما كانوا رأس حرب الاحتجاجات التي شهدتها غالبية الجامعات ضد حرب غزة.

غير أن هذا التشابه لا يعني تماثل درجة الاهتمام بين القضيتين، فبلا شك كانت فيتنام محط اهتمام أكبر، ببساطة لأن الجنود الأمريكيين كانوا يعودون إلى الوطن في توابيت.

ولا يستبعد محللون مقاطعة الشباب لانتخابات 2024، تعبيرا عن إحباطهم، وباتوا على حد تعبير الكاتب الأسباني الشهير فرناندو آرابال في عمله الأدبي الخالد (رسالة الى الجنرال فرانك 1975) “نحن جيل المكذبين، لا نثق بأي شيء. وهكذا، استطعنا إنكار الحقائق البديهية، لأنها كانت تُلطخ بالأختام الرسمية”.

سحب الغضب

غير أن حالة الإفلاس السياسي التي يشهدها النظام الأمريكي، خصوصا منذ الأزمة المالية عام 2008، أدت إلى أن يتنافس في بلد “الحريات” شيخان هرمان على منصب الرئاسة.

أولهما بايدن (82 عاما)، يتلعثم في الكلام، وبات غير قادر على تذكُّر حتى أسماء الرؤساء، وحسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن نحو 80% من الشعب الأمريكي يرون بايدن غير لائق صحيا لحكم البلاد.

والأهم أن الآلاف الذين أدوا دورا أساسيا في فوزه عام 2020 من الشباب والملونين والطبقة العاملة، والذين رفضوا سياسات ترمب اليمينية المتطرفة، بات معظمهم لا يرونه المرشح الأنسب لهزيمة ترمب، ومنع صعود الفاشية، والنضال من أجل الديمقراطية في أمريكا.

وأطلق ناشطون حملة “غير ملتزم” لحرمان بايدن من أصواتهم، بسبب دعمه لإسرائيل، وحسب تقارير صحفية، فإن الحملة لاقت صدى لدى الناخبين في جميع أنحاء أمريكا.

وحصلت الحملة على دعم أكثر من 100 ألف صوت ديمقراطي في ميشيغان صوتوا بـ”غير ملتزم”، بدلا من إعطاء صوتهم إلى بايدن، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وهو ما دفع الكثيرين إلى التساؤل: هل خسر بايدن تأييد الناخبين العرب والمسلمين لدعمه إسرائيل؟

ونقلت شبكة (إن بي سي) الأمريكية عن مصدر ديمقراطي مطلع على جمع التبرعات للحزب قوله “المانحون في حالة ذعر كامل، ويجب أن تكون الدائرة الداخلية لبايدن قد فهمت هذه الرسالة”، مضيفا “يريد المانحون إرسال رسالة قوية، والطريقة الوحيدة التي يعرفونها هي عدم دفع المال”.

ويقول التيار الاشتراكي الديمقراطي على موقعه الإلكتروني، الذي خرج من رحم تيار (احتلوا وول ستريت) “منذ الانتخابات التمهيدية والآلاف من الناخبين يدعون بايدن إلى الانسحاب، لأنه ببساطة خان كل ما تعهد به سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي”.

ويُعَد التيار الاشتراكي جزءا من الائتلاف اليساري الناهض داخل حزب الرئيس، الذي أدى دورا رئيسيا في التعبئة بالجامعات من أجل وقف الحرب، ووقف ضخ الاستثمارات إلى الكيان الصهيوني.

ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن رجال سود، دعموا بايدن عام 2020، أنهم محبطون لعدم حدوث تغيير، بعد نحو أربع سنوات من حكمه للبلاد بمساعدتهم.

وقال جيمس (34 عاما) “الاقتصاد يزداد سوءا”، مشيرا إلى أن أسعار كل السلع ترتفع، مما يضطره إلى العمل ساعات أطول، فقط لكي يستطيع أن يعيش.

وتشير تقارير صحفية إلى أن الديمقراطيين قد يتخلون عن بايدن مرشحا للرئاسة، ويستبدلون به مرشحا آخر قد تكون حظوظه أفضل، في مؤتمر الحزب المقرر الشهر المقبل، في حال تمسكه بالترشح، مع استمرار تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي.

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع هارفارد (CAPS/هاريس)، الذي أُجري بعد المناظرة، أن ترمب يتقدم على بايدن بست نقاط مئوية في المواجهة المباشرة، 47% مقابل 41%، بينما 12% مترددون.

“الترمبية” تستعد

وعلى طريقة ماكرون في فرنسا، يفتح بايدن “المنتهية صلاحيته”، بإصراره على الترشح، الطريق لليمين الفاشي لكي يعود بثقة الى البيت الأبيض.

وتجمع وسائل إعلام أمريكية وأجنبية على أن عهد ترمب يقترب بعد المناظرة الرئاسية، وصدرت مجلة “تايم” الأمريكية الشهيرة بغلاف تاريخي مكتوب عليه كلمة واحدة “الهلع”، ولسان حال هذا الغلاف المبدع يقول: بايدن يخرج من المشهد، والآتي مرعب.

والمغزى أن الخيار بات الآن بين الوحدة وراء مرشح قادر على شحذ الهمم وتوحيد الصفوف خلف سياسة جديدة، وكارثة اليمين المتطرف.

وترمب (78 عاما)، يجمع بين الغوغائية والقومية الاقتصادية، ويهدف إلى استعادة “عظمة” أمريكا البيضاء، ولا يعرف سوى لغة الكراهية والعدائية تجاه “الآخر” في الداخل والخارج.

وأظهر خلال فترة رئاسته (2017-2020) أنه حليف صلب لمجرم الحرب نتنياهو، وداعم للفاشيين الجدد في أوروبا، ولم يتردد أن يصم بايدن بأنه “فلسطيني”، زاعما “لو كنتُ رئيسا لما حدث الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي”.

هذا النفس العنصري الجلي، دفع كوري سيلور -مدير الأبحاث والمناصرة في مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية- إلى القول “استخدام الرئيس السابق ترمب كلمة ‘فلسطيني’ كإهانة يُعَد أمرا عنصريا، كما أن إعلان الرئيس بايدن دعمه العسكري للإبادة الجماعية التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية في غزة قاسٍ ويدل على استخفاف”.

لكن ظهور “الترمبية” يعود -حسب الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي نعوم تشومسكي- الى بعض المتاعب الحقيقية التي واجهتها أمريكا بسبب “الإحباط والسخط والغضب المبرَّر وغياب أي استجابة متماسكة”.

وأعرب تشومسكي في عام 2010، أي قبل ست سنوات من فوز ترمب بالرئاسة، عن قلقه إزاء بعض الاتجاهات الاجتماعية والنفسية المتنامية بسبب “المزاج العام المخيف”، بينما “لم يتم تصريف مستوى الغضب والإحباط والكراهية إزاء المؤسسات بطريقة بناءة. وشكَّل هذا توجّها نحو أوهام تنمّ عن التدمير الذاتي”.

وقدَّم تشومسكي وقتها رؤية متشائمة لمستقبل أمريكا، وهي رؤية رفضها كثيرون آنذاك، لكنها أثبتت صوابها الاستشرافي أواخر عام 2016. وحذر حينئذ من مغبة نجاح أي “شخصية كاريزمية” إذا سعت إلى الترشح للانتخابات “ووعدت بعلاج أمراض المجتمع في برنامجها بما سيجلب إليها السلطة”.

والمثير هنا مدى أوجه التشابه بين هذه الشخصية وشخصية ترمب، بداية بالمناداة برفع مستوى القوة العسكرية، ونهاية باستخدام المهاجرين غير النظاميين كبش فداء.

ولا يُخفي المؤرخ الأمريكي نيل جابلر تشاؤمه في مقال بعنوان (وداعا أمريكا)، بعد فوز ترمب بالرئاسة، قائلا “توفيت أمريكا يوم الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ليس بسبب إثارة الضجة أو مشاعر التذمّر، ولكن لما فعلته بيدها بالإقدام على انتحار انتخابي. نحن الشعب اخترنا الرجل الذي يمزق قيمنا وأخلاقنا ومبادئ التعاطف والتسامح واللياقة ومفهومنا للهدف المشترك وهويتنا، كل الأمور التي -مهما كانت هشاشتها- أقامت أمة من بلد”.

وفي فترة ترمب الرئاسية، عادت رواية “1984” للكاتب البريطاني جورج أورويل (1903-1950) -التي تحكي عن مستقبل بائس في ظل نظام سلطوي- لتتصدر قائمة أعلى المبيعات، ويعاد طبعها بعد عقود من كتابتها، فأي مستقبل ينتظر أمريكا؟ وأي روايات سيعاد طبعها؟

المصدر : الجزبرة مباشر